تداعيات كوفيد– 19 على المنظومة الصحية للدول

محمود سلامة الشريف

أثّر فيروس كوفيد-19 – بلا أدنى شكّ- على المنظومة الصحية للدول في أول شهور من انتشاره، مثلما أثّر بدوره على القطاعات الأخرى كلٍ بحسب قدره، ولعلّ تلك الآثار تكون أشدّ حساسية إذا تعلق الأمر بالقطاع الصحي الذي يُعد أحد عناصر قطاع الخدمات العامة التي تُسهِم في توزيع الخدمة الصحية، وتقليل التفاوُت بين المناطق الحضرية والريفية والتوازن في الإنفاق على الخدمات الصحية العلاجية والوقائية والعلاج على نفقة الدولة وتحسين الثقافة الصحية للمواطنين.

وبصفةٍ عامة تحدُث الحالات الطارئة – كوباء كورونا المستجد – بمختلف أنواعها ونطاقاتها وتعقيدها في أجزاء متعددة من العالم بغض النظر عن المجموعة الواسعة من التدابير والإجراءات التي يتم اتخاذها للحيلولة دون وقوعها. الأمر الذي تحتاج معه البلدان والمجتمعات إلى الاستعداد للعواقب الإنسانية والاقتصادية والاجتماعية والصحية المحتملة. وتتمثل الحلقة الأضعف في أيّ دولة خلال التعامل مع تلك الحالات الطارئة في تأمين الخدمات الصحية لمواطنيها وضمان رفاهيتهم. حيث أن استمرارية النظام الصحي واستدامته يواجهان مخاطر جسيمة خلال أوقات الأزمات.

جدير بالذكر أن تلك الحالات الطارئة تمتلك القدرة على تدمير سنوات من تنمية القطاع الصحي بسبب الأضرار التي تلحق بالبنية التحتية والإمدادات والعمال في المجال الصحي وفي نهاية المطاف الأنظمة الصحية ككل. ولا شك أن تداعيات فيروس كورونا المستجد ألقَت بظلالها على المنظومة الصحية للدول لتكشف قُدرة كل دولة في مواجهته من حيث الإمكانات البشرية والمادية، كذلك الضرر الذي لحق بتلك المنظومة الحساسة جرّاء تعاملها مع هذا القادم الجديد.

قائمة المحتويات

المنهجية

عمدت الوُريّقة البحثية إلى بيان مدى تأثير فيروس كورونا على المنظومة الصحية لبعض الدول، من خلال تجميع البيانات الأولية من المصادر الوطنية والدولية المُعترف بها كمرحلة أولى، ثم توصيف وشرح تلك البيانات الأولية واستخراج الرسوم البيانية الشارحة لها في مرحلة ثانية، وأخيراً تحليل تلك البيانات والأرقام وبيان مدى كونها مُعبرة عن الواقع من جهة وعمّا تنبئ في المستقبل من جهة أخرى.

المحور الأول: مُعدلات ضحايا الطواقم الطبية

ذكر المسئول التنفيذي للمجلس الدولي للممرضين والممرضات”ICN” أن “عدد الإصابات بين أفراد الطواقم الطبية زاد من 23 ألفاً في أبريل 2020، إلى ما نعتقد أنه يتجاوز 90 ألفا في مايو 2020، ويظل هذا تقدير أقل من الحقيقة لأنه لا يشمل كل دول العالم”.

واستند رقم 90 ألفاً إلى معلومات جُمعت من اتحادات الممرضين الوطنية في 30 دولة وبيانات حكومية وتقارير إعلامية. ويُمثل المجلس 130 اتحاداً وطنياً وأكثر من 20 مليون من العاملين بالتمريض.

وأشار كذلك إلى أنه “إذا كان معدل انتشار العدوى بين الطواقم الطبية يبلغ ستة في المائة في المتوسط، فإننا نعتقد أن الرقم العالمي يتجاوز 200 ألف مصاب اليوم من أفراد الطواقم الطبية”.

ويُمكن بيان معدلات الإصابة والوفاة في الطواقم الطبية لبعض الدول العربية والأوروبية، بشكل تفصيلي على النحو التالي؛

أولاَ: مصر 

أعلنت نقابة الأطباء المصرية، أن 43 طبيباً مصريا قد أصيبوا حتى 11/أبريل /2020 بفيروس كورونا المستجد، توفي منهم ثلاثة فقط، وأوضحت النقابة أن اثنين من الأطباء توفيا جرّاء إصابتهم بالمرض من “عدوى مجتمعية”، بعيدا عن أمكان عملهما.

وإضّطردت الزيادة في عدد المصابين من أطباء مصر حتى تاريخ 27/ أبريل/2020 حيث تم الإعلان عن إصابة 17 في مستشفى الصدر بدكرنس في الدقهلية، و5 في محافظة أسوان، و17 في معهد الأورام، و16 في مستشفى بنها، و22 في مستشفى الزيتون، ليكون إجمالي المصابين 77 مصاباً، بخلاف عدد المصابين من الممرضين الذين لم يُعلن عن عددهم بشكل رسمي.

وقد أصدرت وزيرة الصحة في بداية العام، القرار الإداري رقم 1 لسنة 2020، والذي مفاده تقسيم العمل بين أطباء العزل إلى مجموعتين أو ثلاث مجموعات تعمل بالتناوب، على أن تعمل المجموعة الواحدة لمدة 15 يوماً بدون انقطاع، وتلتزم المجموعة الثانية بالعزل الذاتي دون مخالطة أي عنصر بشري. جدير بالذكر انه ليس هناك لائحة موحدة للمستشفيات في مصر، فمستشفيات وزارة الصحة تعمل بلائحة، والأخرى التابعة للتأمين الصحي تعمل بلائحة أخرى، والمستشفيات الجامعية تعمل بلائحة ثالثة، وهكذا دون تناغم، وربما يؤدي ذلك لتساقط المزيد من الأطباء والطواقم الطبية فريسة سهلة للفيروس.

بيد أن مصر من الدول التي تُعاني نقصاً في عدد الأطباء حيث قدّر البنك الدولي في عام 2018 أحدث بيانات له – أن نصيب كل عشرة آلاف نسمة هو 5 أطباء، وبذلك يسجل عام 2018 أعلى نسبة انخفاض في كثافة الأطباء مُقابل عدد السكان، مقارنة بالعامين السابقين، ففي عام 2017 بلغ عدد الأطباء 8 أطباء لكل عشرة آلاف نسمة، بينما في عام 2016 بلغ عدد الأطباء 9 أطباء لكل عشرة آلاف نسمة كما هو موضح بالشكل رقم (1).

بناء عليه قد تناقص عدد الأطباء في مصر في عام 2018 بنسبة %47 عما كان عليه الوضع في عام 2016، وعلى الرغم من أن مُعدل الأطباء وكثافتهم ليست المعيار الوحيد لانتشار الفيروس، إلا أن هجرة الأطباء التي بلغت النصف في عامين فقط تؤثر بالسلب على قدرة المنظومة الصحية.

وما يُؤكد ذلك ما جاء في تقرير “مؤشرات أمان الصحة العالمي” الذي يُقيّم قدرة الدول على منع الأوبئة أو التخفيف من حدتها (من الوقاية ومنع انتشار مسببات الأوبئة والاكتشاف المبكر والاستجابة السريعة إلى قدرة النظم الصحية على علاج المرضى والسيطرة على انتشار الوباء)، المؤشر وضع مصر في المركز الـ 87 عالميا، وبحسب المؤشر فإن أضعف تقييم حصلت عليه مصر كان في مؤشر وفرة الموارد البشرية في القطاع الصحي ومدى إتاحة الخدمة الصحية بشكل شامل لجميع المواطنين، وهو ما يدفع إلى الاهتمام بتقوية نظامنا الصحي في جانبه الوقائي، وخاصة أن قطاع الطب الوقائي بوزارة الصحة له تاريخ عريق في مكافحة الأوبئة.

وبمقارنة مصر ببعض الدول من حيث كثافة الأطباء نجد على سبيل المثال في السعودية قد بلغ عدد الأطباء 26 طبيباً لكل 10 آلاف نسمة، بينما بلغ عدد الأطباء في الإمارات العربية المتحدة 25 طبيباً لذات العدد من السكان، أما في الجزائر فكان نصيب كل 10 آلاف نسمة 17 طبيباً. أما الدول التي تفشى فيها فيروس كورونا المستجد فكانت كثافة الأطباء أكثر من نظيرتها، حيث بلغ عدد الأطباء في إيطاليا 40 طبيباً لكل 10 آلاف نسمة، أما في فرنسا فكانت حصة نفس عدد السكان 33 طبيباً. ولعلّ ذلك ما يُؤكد انفصام العلاقة بين تفشي الفيروس وكثافة الأطباء. كما هو موضح بالشكل رقم (2).

جدير بالذكر أنه بتاريخ 10/أبريل/2020، أعلن اتحاد نقابات الأطباء في إيطاليا أن عدد الوفيات من الطواقم الطبية بلغ 105 حالة، بينما كانت حصيلة المصابين %10 من إجمالي حالات الإصابة، أي بمعدل بلغ 9 آلاف حالة إصابة للطواقم الطبية.

غنيٌ عن البيان، أن الأطباء منفردون لا يُمثلون كل القوى العاملة الصحية لكل دولة، وإنما يمثل الممرضون النسبة الأكبر في كل منظومة صحية، من هذا المنطلق اتسمت مصر بثبات نسبي في عدد الممرضين للأعوام الثلاثة من 2016 حتى 2018، وفقاً لبيانات البنك الدولي ومُنظمة الصحة العالمية، وقد سجّلت في عام 2018 مُعدل للممرضين بلغ 19 ممرضاً لكل 10 آلاف نسمة، وبمقارنة تلك الكثافة مع بعض الدول الأخرى، نجد أن السعودية بلغ عدد الممرضين فيها 55 ممرضاً لكل 10 آلاف نسمة، بينما بلغ عددهم 57 ممرضاً لنفس عدد السكان ولذات السنة في الإمارات العربية المتحدة، أما الجزائر كانت أقلهم حيث سجلت في عام 2018 عدد ممرضين بلغ 15 ممرضاً لكل 10 آلاف نسمة. أما في الدول الأوروبية ازدادت كثافة الممرضين بالنسبة لعدد السكان فيها، فقد بلغ عددهم 115 ممرضاً لكل 10 آلاف نسمة في فرنسا، بينما سجّلت بريطانيا 82 ممرضاً لذات العدد من السكان، أما إيطاليا كانت أقلهم بمجموع 57 ممرضاً لكل 10 آلاف نسمة، وفقاً للشكل رقم (3).

ثانياً: الولايات المتحدة الأمريكية

أعلن مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي في تقرير حديث له -Characteristics of Health Care Personnel with COVID-19 – أن ما يقرب من 10آلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية مصابون بالفيروس التاجي وربما أكثر من ذلك، وبلغ عدد الوفيات في الطواقم الطبية 27 حالة.

يُقدم التقرير الصادر عن مركز السيطرة على الأمراض الأمريكي رصد لمعدل الإصابات والوفيات للعاملين في المجال الصحي الأمريكي في الفترة ما بين 12 فبراير حتى 9 أبريل 2020، وتُمثل هذه الفترة نسبة %16 فقط من بداية انتشار فيروس (كوفيد-19) حتى تاريخ 9 أبريل 2020. مفاد ذلك أن معدلات الإصابة والوفاة التي لحقت بالطواقم الطبية لم ترصد لـ %84 من الإصابات في الولايات مجتمعة وهي تلك الفترة السابقة على 12 فبراير 2020، فلم تقم أي جهة بتتبع المصابين من الطواقم الطبية في الولايات المتحدة الأمريكية.

وبلغ معدل الإصابة %73 بالنسبة للإناث الذي كان متوسط ​​عمرهن 42 عامًا، مقابل %72 من الذكور، جدير بالذكر أن هذه النسبة تعكس عدم المساواة في التوزيعات بين القوى العاملة للعاملين في مجال الرعاية الصحية. فضلا عن ذلك فأن نسبة المصابين من البيض بلغ %72، بينما بلغ السود %21 فقط.

يُشير التقرير أيضاً أن أكثر من نصف هؤلاء العمال تعرضوا للفيروس في مكان للرعاية الصحية، سواء كانت العدوى ناتجة عن الاتصال بمريض أو زائر أو غيرهم من العاملين في مجال الرعاية الصحية، أو بسبب عدم ارتدائهم الأقنعة الطبية والكمامات في ظل نقصٍ حاد لتلك المستلزمات الطبية.

جدير بالذكر انه لم يتم نقل معظم المصابين من العاملين في مجال الرعاية الصحية إلى المستشفى، بل تم إدخال 184 منهم فقط إلى وحدة العناية المركزة وتوفي 27. وأشار التقرير أن %6 فقط من المرضى بلغوا 65 سنة أو أكثر، توفى منهم 10 مرضى، و%38 من المصابين كانوا يعانون من أمراض مزمنة.

 

ثالثاً: دول أخرى 

وفقاً للمسح الذي قامت به مجلة النيوزويك الأمريكية “NewsweekGlobal” في شهر مارس 2020 فأن ما لا يقل عن 13 من الأطباء والممرضات المصابين قد توفوا في الصين. وأكدت اللجنة الصحية الوطنية في الصين في ذات الشهر إصابة حوالي 3300 عامل في مجال الرعاية الصحية.

 وشهدت المملكة المتحدة وفاة ثلاثة أطباء مصابين على الأقل، وقد أودى الفيروس بحياة خمسة أطباء على الأقل حتى شهر مارس في فرنسا. ولم تنشر إسبانيا حتى الآن أي أرقام رسمية حول عدد الوفيات بين الأطباء والممرضات الذين ثبتت إصابتهم بالفيروس. لكن هناك ما لا يقل عن 9 آلاف و444 عاملاً طبيًا مصابًا، وهو ما يقرب من 12 في المائة من إجمالي الحالات في إسبانيا، وفقًا لمركز الطوارئ الإسباني.

أخيراً فإن ضحايا الطواقم الطبية يعد عاملاً سلبياً في إطار جهود مكافحة فيروس كوفيد-19، الأمر الذي يتطلب من الحكومات تخصيص مستشفيات عزل خاصة للأطقم الطبية، وبخاصة في المناطق الجغرافية التي يظهر فيها انخفاض في كثافة الأطباء والممرضين كمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كذلك توفير كافة مستلزمات الطبية الممكنة التي تحول دون انتقال العدوى إليهم.

المحور الثاني: إتساع رُقعة العجز في القوى العاملة الصحية

لا غرو أن فيروس (كوفيد–19) قد تسبب في إظهار مدى حاجة الدول إلى كثافة الأطباء والعاملون في المنظومة الصحية باعتبارهم حائط الصد الأول وربما الأخير، والذين يختلف عددهم من منطقة جغرافية لمنطقة أخرى وفقاً لما هو موضح بالرسوم البيانية رقم (4) (5).

أولاً: مدى كثافة القوى العاملة الصحية تجاه الفيروس

تكمُن خطورة كوفيد-19 في سرعة انتشاره الهيستيرية، والتي يتطلب معه تجهيز أكبر قدر من القدرة الاستيعابية للطواقم الطبية في كل دولة على حدة لاسيما مصر، لكن ربما يثور التساؤل حول العدد الملائم من الأطباء المزمع تجهيزهم لاستقبال ومكافحة هذا الفيروس؟ وما هي الزيادة التي طرأت في عدد المرضى الطبيعي، بداية من يناير وحتى نهاية أبريل 2020 والتي تتطلب بذات القدر زيادة في عدد الأطباء؟

استقبلت مصر وفقاً للإحصاءات الرسمية لوزارة الصحة المصرية في الربع الأول من عام 2020، أي حتى 30 أبريل، عدد 5 آلاف و537 إصابة بفيروس كوفيد-19، إذن طرأت زيادة في أعداد المرضى في الربع الأول من العام الجاري بمعدل 5537 مريضاً. ووفقاً للكتاب الإحصائي السنوي “مصر في أرقام 2020” فإن إجمالي عدد المرضي الذين ترددوا على العيادات الخارجية والاستقبال بالمستشفيات العامة والمركزية 74 مليون و726 ألفا و708 مريضاً، في عام 2018 وهي أحدث إحصائية، من ثم فإن نصيب المستشفيات العامة من المرضي في الربع الأول من هذا العام بلغ 18مليون و681 ألفاً و677 مريضاً، وبإضافة الزيادة في المرضى التي طرأت بسبب فيروس كوفيد-19، نجد أن نصيب المستشفيات والوحدات الحكومية من المرضى بلغ 18مليون و687 ألفاً و214 مريضاً، بنسبة زيادة تصل إلى%0.0003 فقط.

رُبما تلك النسبة الضئيلة التي طرأت في زيادة عدد المرضى تدعوا للاطمئنان أننا لسنا بحاجة إلى حشد وتعبئة القوى العاملة الصحية لزيادة كثافة الأطباء والعاملين بالقطاع الصحي، حتى تتناسب مع تلك الزيادة في عدد المرضى في مصر. إلا أن الوضع ليس بتلك المثالية حيث أن مُعدل الإصابة في الربع الأول من عام 2020 لا ينُم البتّة عن استشراف إجمالي الإصابات لهذا العام، إذ أن الانتشار العنقودي لهذا الفيروس يصعُب بل يستحيل معه التنبؤ بإجمالي الإصابات آخر العام الجاري، ودليل ذلك أن عدد المصابين صاحَبَهُ قفزة في أول عشرة من شهر مايو تصل إلى 10 آلاف حالة، أي أن ضِعف عدد المصابين في أربعة شهور تحقق في عشرة أيام فقط.

وقد تباينت كثافة وأعداد القوى العاملة الصحية بحسب المنطقة الجغرافية على مستوى العالم، حيث احتلت المنطقة الأوروبية المرتبة الأولي بين المناطق الجغرافية الخمسة الأخرى، ليكون نصيب كل عشرة آلاف نسمة من سكانها، 34 طبيباً، بينما حلّت منطقة الأميركتين الوصافة بمجموع 23 طبيباً لكل عشرة آلاف نسمة من سكانها، أمّا منطقة غرب المحيط الهادئ كان عدد الأطباء فيها 18 طبيباً لكل عشرة آلاف نسمة من سُكانها.

وبينما ازداد عدد الأطباء عن عشرة لكل عشرة آلاف نسمة بالنسبة للمناطق الجغرافية الثلاثة السابقة، كان الوضع بخلاف ذلك في الثلاث مناطق الجغرافية الأخرى، التي قلّت مجموع أطبائها عن عشرة أطباء لذات العدد من السكان في كل منطقة على حدة، حيث بلغ نصيب كل عشرة آلاف نسمة من منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط معدل 9.9 طبيباً، وينخفض عدد الأطباء ليبلغ 7.4 طبيباً في منطقة جنوب شرق آسيا لذات العدد من السكان، وأخيرا المنطقة الأفريقية التي جاءت أسفل ترتيب المناطق الجغرافية الستة حيث تستحوذ على 2.8 طبيباً لكل عشرة آلاف نسمة من سكانها.

وتشير إحصائيات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من 40٪ من الدول الأعضاء في المنظمة لديها أقل من 10 أطباء لكل 10000 نسمة. وتستحوذ أفريقيا منفردة على 22٪ من العبء العالمي للمرض إلا أن نصيب القارة السمراء أقل من 3٪ فقط من العاملين في المجال الطبي على مستوى العالم وفقا لتقرير التغطية الصحية الشاملة 2019.

وربما يتبادر للذهن أن المنطقة الأوروبية التي تمتلك أعلى مُعدل أطباء لكل عشرة آلاف نسم هي الأقل عُرضة لانتشار فيروس كوفيد-19، والأكثر نجاعة في مكافحته، نظراً لتوفر القوى العاملة الصحية اللازمة، إلا أن الواقع يُشير بخلاف ذلك، الأمر الذي يُهدر معه اعتبار عدد الأطباء معياراً لمدى انتشار الفيروس من عدمه، حيث تشير قاعدة بيانات جسور لوباء كورونا – التي ترصد مُعدلات الوفيات الإجمالية ومعدلاتها لكل مليون نسمة

 وغيرها من المعايير- أن منطقة غرب

 

أوروبا تحتل المرتبة الأولى من حيث إجمالي الوفيات والتي بلغت 145ألفاً و223 حالة كما هو موضح بالرسم البياني أدناه، أي بمعدل 58 حالة وفاة لكل مليون نسمة بتاريخ 10مايو 2020، وكما حلّت منطقة الأميركتين الوصافة بالنسبة لعدد الأطباء لكل عشرة آلاف نسمة كما هو موضح أعلاه، حلّت أيضاً الوصافة في عدد الوفيات والتي بلغت 28 حالة لكل مليون نسمة، وهو ما ينفي الصلة بين عدد الأطباء وبين تفشي الفيروس، إذ أن عدد الأطباء وإن كان يدل على قوة هيكل المنظومة الصحية إلا انه لا يعبر البته عن اعتباره حائلاً لصد انتشار هذا الفيروس.

ورغم أن المنطقة الأفريقية احتلت المرتبة الدنيا في عدد الأطباء بالنسبة لعدد السكان، إلا أن منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، سجّلت أقل مُعدل وفيات والذي بلغ حالة وفاة واحدة لكل مليون نسمة، وفق قاعدة بيانات جسور لوباء كورونا، بتاريخ 10مايو 2020، كما هو موضح بالرسم البياني أدناه.

 

بناء عليه فالعلاقة التبادلية بين عدد الأطباء وفقاً للمناطق الجغرافية رغم أهميته ودلالته على صلابة قوام الهيكل الطبي، إلا أنه ليس دليلاً على أن تحجيم انتشار فيروس كوفيد-19.

غني عن البيان أن القوى العاملة الصحية لا تقتصر على الأطباء فحسب، بل يُضاف إليهم الممرضين والممرضات الذين يُمثلون الذراع الأيّمن للأطباء، وبالنظر إلى الشكل رقم (4)، نجد معدل الفارق الكبير بين عدد الأطباء بالنسبة لعدد الممرضين والممرضات.

وكما اعتلت المنطقة الأوروبية الترتيب على باقي المناطق الجغرافية الأخرى في عدد الأطباء، فقد احتلت الترتيب ذاته بالنسبة لعدد العاملين في التمريض الذي بلغ 80.8 ممرضاً لكل عشرة آلاف نسمة من سكانها، واحتلت منطقة الأميركتين الوصافة مرة أخرى ليبلغ عدد العاملين في التمريض 61.9 ممرضاً لكل عشرة آلاف نسمة من سُكانها، وحلّت منطقة غرب المحيط الهادئ في الترتيب الثالث بين المناطق الستة في عدد العاملين في التمريض والذي بلغ عددهم 32.6 ممرضاً لكل عشرة آلاف نسمة من سكانها.

أما المناطق الجغرافية الثلاثة الأخرى، فلم يتجاوز مُعدل كل منطقة 20 ممرضاً لكل عشرة آلاف نسمة من سكانها، حيث بلغ مُعدل الممرضين في منطقة جنوب شرق آسيا 19.9 ممرضاً للعدد ذاته من السكان، بينما منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط بلغ عدد الممرضين فيها 15.2 لكل عشرة آلاف نسمة من سُكانها، وجاءت المنطقة الأفريقية في آخر الترتيب ليكون نصيب كل عشرة آلاف نسمة 11 ممرضاُ فقط.

 ورغم العجز الواضح في تلك المناطق الجغرافية الثلاثة – وهم جنوب شرق آسيا وشرق البحر الأبيض المتوسط والمنطقة الأفريقية – فإن منظمة الصحة العالمة تتوقع انحساراً حاداً في عدد القوى العاملة الصحية على مستوى العالم بحلول عام 2030، حيث قدّرت معدل التراجع بنحو 18 مليون عامل صحي، كذلك 9 مليون من الممرضات والقابلات، بناء عليه يتطلب إضافة نحو27 مليون شخصاً للقوى العاملة الصحية بحلول 2030 للوصول للحد المناسب للتغطية الصحية الشاملة.

بناء عليه تشير الدلائل إلى أن هناك علاقة إيجابية قوية بين كثافة القوى العاملة الصحية وتغطية الخدمات والنتائج الصحية في بلد أو منطقة معينة والذي يُعد أحد وسائل مكافحة انتشار فيروس كورونا. ووفقاً لتقرير منظمة التعاون الإسلامي حول الصحة 2019، فقد سجلت كثافة العاملين في مجال الصحة في دول منظمة التعاون الإسلامي (26 عامل لكل عشرة الآف نسمة)، وهو معدل أقل بكثير من عتبة 34.5 عاملاً والتي تعتبر ضرورية لتقديم الخدمات الصحية الأساسية في بلد أو منطقة معينة.

ثانيا: مُقترحات سدّ رتق النقص في القوى العاملة الصحية

وبالقدر الذي تسبّب فيه فيروس كورونا باتساع رُقعة العجز في القوى العاملة الصحيّة التي تكاد تصل فيها نسبة البطالة إلى (صفر) في بعض الدول بل وبالسالب في دول أخرى، كانت سبباً أيضاً لزيادة مُعدلات البطالة بنسب كبيرة في قطاعات أخرى.

وبحسب الإصدار الثالث من مرصد منظمة العمل الدولية بعنوان كوفيد-19 وعالم العمل ” ILO Monitor, COVID-19 and the world of work, third edition”، فإنه من المتوقع أن يشهد العالم تقليصاً في الوظائف لنحو 200 مليون من الموظفين بدوام كامل في الأشهر الثلاثة المُقبلة فقط أي في الربع الثاني من عام 2020. هذا التحذير يأتي بعد حوالي ثلاثة أسابيع من توقع المنظمة تعرّض 25 مليون وظيفة للتهديد بسبب كـوفيد-19، خاصة بعد فرض إجراءات الإغلاق الكامل أو الجزئي في العديد من الدول، وما حمله ذلك من تأثير على نحو 2.7 مليار عاملاً، أي 4 من بين كل 5 من القوى العاملة في العالم. وأوضحت المنظمة أنه من المتوقع أن تؤدي أزمة وباء فيروس كورونا المستجد إلى إلغاء 6.7% من إجمالي ساعات العمل في العالم في النصف الثاني من عام 2020، أي ما يُعادل 195 مليون وظيفة بدوام كامل، من بينها 5 ملايين في الدول العربية بنسبة 8.1%، بينما تحقق أوروبا مُعدل فقد لوظائف 12 مليون عامل بدوام كامل بنسبة تصل إلى 7.8%. أمّا في آسيا والمحيط الهادئ تحقق نسبة فقد الوظائف 7.2%، أي 125 مليون عامل بدوام كامل.

مُقابل هذه النسبة الكبيرة من البطالة التي تسبّب فيها فيروس كورونا، كانت حاجة الدول مُلحّة في زيادة كثافة القوى العاملة في منظومة الرعاية الصحية التي انعدمت فيها نسبة البطالة بل تُحقق عجزاً في القائمين عليها، الأمر الذي حدا ببعض الدول لاتباع سياسات مُتباينة لضخّ أكبر عدد من الأطباء والمُمرضين لديهم، ويُمكن حصر تلك السياسات في الآتي؛

1- إعادة الأطباء المتقاعدون للعمل

سمح المجلس الطبي العام “GMC” في المملكة المتحدة البريطانية عودة الأطباء للعمل مرة أخرى، الذي بلغ إجمالي عددهم 34ألفاً و300 طبيباً، منهم من تخلّى عن ترخيص مزاولة المهنة لمدة ثلاث سنوات أو أكثر، ومنهم المسجلين في المجلس الطبي العام ولكنهم لا يحملون حالياً ترخيص مزاولة المهنة، ومنهم من ليسوا مُقيدين في نقابة الأطباء البريطانية.

    وقد وضع المجلس الطبي العام في بريطانيا، القواعد وشروط قبول عودة الأطباء إلى الحياة المهنية مُجدداً، بناء على استبيان أعدّه المجلس يتم ملؤه من قبل الأطباء المتقاعدين راغبي الانضمام، لتحديد قدرة كل طبيب على الولوج مرة أخرى كأحد عناصر القوى العاملة الصحية، مُقابل ذلك يتمتع هؤلاء الأطباء العائدون بمزيات مختلفة من بينها إستمرار القيد في السجل الطبي مع ترخيص ممارسة المهنة طوال فترة الوباء، كذلك خصم رسوم إعادة القيد في السجل الطبي كاملة، فضلا عن العائدات المالية المرتبطة بمعدل العمل بالنسبة لهم.

فضلاً عن ذلك منحت نقابة الأطباء البريطانية “BMA” اشتراك مجاني لعضوية أيّ من الأطباء المُنضمين للنقابة بعد التقاعد بغرضِ المساهمة في مكافحة فيروس كورونا، حتى الأول من أكتوبر 2020.

2- التوسع في الإعتراف بالشهادات الطبية الأجنبية

واجه النظام الصحي في ألمانيا ارتفاعاً حاداً في عدد المصابين بالفيروس التاجي الجديد، أدّى إلى إرباك تلك المنظومة، مما دعا الحكومة الفيدرالية الألمانية في نهاية مارس 2020، إلى ضرورة اللجوء الأجانب في مكافحة هذا الفيروس حتى بدون الحصول على ترخيص مزاولتهم مهنة الطب. نتيجة لذلك استجاب 200 طالب أجنبي تم توظيفهم للعمل كممرضين وإجراء اختبارات الفيروس التاجي.

 كما دعا وزير الصحة الأماني ثلاث حكومات لإعادة النظر في القرار الذي اتخذته العام الماضي بعدم قبول الشهادات الطبية البولندية تلقائيًا، بعد توجيه الاتحاد الأوروبي الذي سلط الضوء على التناقضات في التعليم بين النظامين البولندي والألماني. كذلك سرعة الإنتهاء من الإعتراف بتلك الشهادات الأجنبية التي يمكن أن تستغرق 18 شهرًا حتى يتم إجازتها.

3- تبكير موعد خريجي كليات الطب

في منتصف مارس 2020 أعلنت العديد من كليات الطب في بعض الولايات الأمريكية أنها تعتزم تقديم التخرّج المُبكر لطلاب السنة الرابعة، وتعقبهم بسرعة في رعاية المستشفيات في الخط الأمامي مع زيادة الحاجة إلى العاملين في المجال الطبي.

جدير بالذكر أن كلية “غروسمان-Grossman ” للطب في جامعة نيويورك هي الأولى في الولايات المتحدة التي أعلنت عن عرض للتخرج المبكر، في رسالة بريد إلكتروني للطلاب.  وأعقب ذلك خطوات مماثلة في وقت سابق من هذا العام في إيطاليا وبريطانيا، والتي دفعت العديد من طلاب الطب في السنة النهائية إلى الخدمة السريرية المتوسطة.

في ماساتشوستس “Massachusetts”، وفرت الولاية تراخيص مؤقتة لمدة 90 يومًا للخريجين الأوائل، مما يسمح لهم بدخول تلقائي إلى العمل السريري البسيط.  وتجعل هذه الخطوة حوالي 700 طالب طب في ماساتشوستس مؤهلين لتقديم رعاية المرضى قبل ثمانية أسابيع على الأقل مما كان متوقعًا.

كذلك أصبح خريجو كلية “فاجيلوس-Vagelos ” للأطباء والجراحين في كولومبيا للعمل مباشرة تخرجهم في 15 أبريل، بدلاً من 20 مايو 2020.

كذلك وَلِجَ طلاب كلية الطب الفرقة الرابعة في جامعة نيويورك، إلى العمل مباشرة ضمن القوى العاملة الصحية لمواجهة فيروس كورونا المستجد من خلال رعاية المرضى في مستشفيات جامعة نيويورك، في طوابق الأدوية وفي غرفة الطوارئ مع ضرورة مغادرتهم في أواخر يونيو أو يوليو 2020، لبدء برامج إقامتهم المقررة، مع الحجر الصحي لمدة أسبوعين بينهما. وذلك بعد أن أُجرى استطلاعا لـ 120 طالبًا في السنة الرابعة أبدى 69 منهم الموافقة على دخولهم في الخدمة السريرية المبكرة.

4- قبول المتطوعين

لم ترصد أي جهة على مستوى العالم عدد المتطوعين للخدمة الطبية، إلا أن التطوع قد يكون من قبل الأطباء من خلال القيام بعمل إضافي، وقد يكون بالانضمام من ليسوا في الخدمة لفريق الرعاية الصحية، ففي بريطانيا على سبيل المثال، أجيز كلا النوعين من التطوع ولكن بضوابط محدد على النحو التالي؛

  • يتم الرجوع في قواعد التطوع إلى التوجيه الأوروبي المتعلق بأوقات العمل، مع احتفاظ المتطوع بحقه في الانسحاب.
  • مقابل العمل الإضافي يكون على أساس الأسعار والمعايير الموجودة مسبقًا.
  • إذا لزم الأمر للسفر إلى مكان مختلف للعمل (أي ليس مكان العمل المعتاد)، فسيتم تعويض المتطوع عن الأميال الإضافية.
  • يجب الموافقة على أي تغييرات في نمط عمل المتطوع كتابيًا مع المدير المباشر.
المحور الثالث: تنامي دور القطاع الطبي الحكومي مُقابل انحسار دور القطاع الخاص
أولاً: مظاهر تعاظُم دور القطاع الصحي الحكومي

تصدّر القطاع الطبي الحكومي المشهد بكل إمكاناته المتاحة، مُقابل تراجع ملحوظ للقطاع الخاص الذي كانت نسبة مساهمته في مكافحة كوفيد-19 متباينة من دولة لأخرى، ولكنها لم ترقَ لتوازي الدور الذي يلعبه القطاع الحكومي بكل مستوياته.

وترصد النشرة السنوية لإحصاء الخدمات الصحية – الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري في إصدار (مصر في أرقام 2020) – بعض الفوارق بين إمكانات القطاع الحكومي ونظيره الخاص، والتي تنبئ على أنه بالرغم من قلة الإمكانات المتاحة للقطاع الحكومي إلا أنه تحمل مسئولية مكافحة فيروس كوفيد-19 منفرداً.

فقد بلغت الوحدات الصحية بأسرّة في القطاع الصحي الحكومي في عام 2018 نحو 691 وحدة، بينما بلغت ذات الوحدات في القطاع الخاص 1157 وحدة، وتمثل نسبة القطاع الخاص 62.6% من الإجمالي. فقد أظهرت جائحة فيروس كورونا أن المشاركة المنتظمة والشاملة مع الجهات الفاعلة من غير الدول تبدو غائبة عن الاستجابة الوطنية. وتتطلب الوقاية الناجعة والمكافحة الفاعلة لانتشار كوفيدــ19 استجابةً عالية التنسيق بين مختلف الجهات الفاعلة الحكومية وغير الحكومية في توفير نطاق واسع من الخدمات، بما في ذلك الوقاية من فيروس كوفيد ــ 19 ومكافحته والحفاظ على الخدمات الأساسية.

جدير بالذكر أن وزيرة الصحة المصرية أعلنت بتاريخ 2/مايو/2020، أن هناك 30 مستشفى عزل تم تجهيزها استعدادا لمواجهة تلك الأزمة، وتم التشغيل الفعلي لعدد 17 مستشفى فقط، كما أن هناك 30 مستشفى حميات من أصل 80 مستشفى جاهزة للفرز والعزل والعلاج على مستوى الجمهورية.

أما من حيث عدد الأسرّة، فكانت نسبة القطاع الخاص منه 27% فقط من إجمالي القطاعين، بعدد أسرّة بلغ 35 ألفاً و320 سريراً على مستوى الجمهورية في عام 2018، بينما كانت حصة القطاع الحكومي 95 ألفاً و683 سريرا، بنسبة تمثل 73% من إجمالي عدد الأسرة في مصر. والقطاع الحكومي يشمل أسرة وزارة الصحة والسكان، والتأمين الصحي، والمؤسسات العلاجية، والمستشفيات والمعاهد التعليمية، والجامعات، والشرطة والسجون، وغيرها من الجهات الأخرى التي تتبع هذا القطاع.

بناء عليه يكون مجموع الأسرّة في مصر في القطاعين الحكومي والخاص 131ألفاً و3 سريراً، أي بمعدل 1.3 سريراً لكل ألف نسمة، وبمقارنة تلك النسبة ببعض الدول الأخرى عن ذات السنة أي في عام 2018، نجد على سبيل المثال أن عدد الأسرّة في بلجيكا بلغ 5.6 سريراً لكل ألف نسمة، بينما بلغ عددهم 4.5 سريراً في لوكسمبورج عن ذات العدد من السكان، أما كندا والدنمارك كان لهما ذات المعدل الذي بلغ 2.5 سريراً لكل ألف نسمة من سكانها عن عام 2018. وفقاً للشكل رقم (6).

ولعلّ الدور الذي تضّطلع به مصر في مواجهة فيروس كوفيد-19، وتحمّلها  لمسئولية مكافحة الفيروس دون مشاركة فعالة من القطاع الخاص، أصبح معه من الضروري أن تعيد النظر في موازنة الصحة لتشجيع الأطباء على العمل في القطاع الحكومي وعدم الهجرة للخارج أو للقطاع الخاص، وجدير بالذكر أن قطاع الصحة إزداد نصيبه في الموازنة العامة في العام المالي 2019/2020 ليبلغ 4.6% من إجمالي الموازنة العامة بإضافة تبلغ 0.3% عن العام 2018/2019، إلا أن أعلى مُعدل إنفاق على قطاع الصحة كان في عام 2014/2015 والذي بلغ نسبته 5.37% من إجمالي موازنة الدولة، كما هو موضح في الشكل رقم(7).

بالإضافة إلى ذلك ضرورة الإسراع في تطبيق منظومة التأمين الصحي الشامل التي كشفت الأزمة عن مدى فاعليتها في إصلاح المنظومة الصحية، لأنه باختصار النظام الجديد للتأمين الصحي المُقرر تعميمه على جميع محافظات مصر خلال السنوات العشر المقبلة يقصر دور الوزارة على ما يقوم به الآن قطاع الطب الوقائي بها في مكافحة الأوبئة، والحفاظ على الصحة العامة.

جدير بالذكر أن مساهمة القطاع الخاص للدول في مكافحة فيروس كوفيد-19 لم تكُن مُماثلة، فكما انعدمت تقريباً في دول كمصر إلا أنها شاركت بدرجات متفاوتة في بعض الدول الأخرى. فعلى سبيل المثال، أتاحت دولة الإمارات العربية المتحدة، مجموعة خاصة من مقدمي الرعاية الصحية من الموظفينَ والأسِرّة في المستشفيات عند حاجة السلطات الحكومية لها. وفى البحرين، منحت الدولة التراخيص لمقدمي الرعاية الصحية من القطاع الخاص ممن يستوفون معايير منظمة الصحة العالمية للتعامل مع كوفيدــ19 من أجل تقديم الخدمات للمرضى الذين يفضلون الدفع مقابل الرعاية في القطاع الخاص. وأعربت المنظمات غير الحكومية في العراق عن استعدادها لدعم الحكومة من خلال توزيع مستلزمات النظافة وتدريب العاملين الصحيين ومراقبة الحماية وتوفير الأموال للأسر المتضررة.

وفي لبنان أصدرت الحكومة قراراً بالتعبئة العامة الصحية الذي شمل استعداد المستشفيات الحكومية والخاصة على حد سواء، باستقبال المصابين بفيروس كوفيد-19، إلا أن سياسات مشاركة القطاع الخاص كانت ضبابية لأنه لم تكن هناك خطة واضحة للتنسيق بين الحكومة والجهات الفاعلة غير الحكومية. ولربما يُعزى ضعف مشاركة المستشفيات الخاصة في لبنان إلى ارتفاع تكاليف العلاج، والحاجة إلى تدابير السلامة ومكافحة العدوى.

لا غرو أن مشاركة القطاع الخاص سيرفع لا محالة جزء من العبء على القطاع الحكومي، ففي مصر تبلغ عدد الأسرّة للقطاع الخاص 35 ألفا و320 سريراً، كما أن عدد المستشفيات الخاصة بلغت 1157، كما ذكرنا آنفاً. بيد أنه من الوسائل الأخرى التي ترفع جزء من العبء من على كاهل القطاع الحكومي، استخدام التقنيات التكنولوجية الحديثة لتحليل البيانات الضخمة من خلال أنظمة الذكاء الاصطناعي، وتسخير تلك التقنيات للتوعية بأعراض الفيروس وكيفية الوقاية منه، إذ أن تلك الوسائل تتيح المعلومات لأكبر قدر من الأشخاص خاصة وإننا نعيش اليوم عصر رقمي في كافة القطاعات لاسيما الصحة.

ثانياً: أنموذج التعاون الفعلي بين القطاع الصحي الحكومي والخاص

لعلّ التجربة الإنجليزية هي الأكثر إلهاماً فيما يتعلق بولوج القطاع الخاص نحو مكافحة فيروس كوفيد-19 بالشراكة مع القطاع الصحي الحكومي (NHS)، ففي منتصف مارس 2020، أعلنت الحكومة الإنجليزية التعاقد مع المستشفيات الخاصة، ليتم استخدام الطاقة الاستيعابية الكاملة لقطاع المستشفيات الخاصة في إنجلترا لعلاج المرضى، وتضع الأخيرة تحت إمرة الأولي عدد 8000 سريراً مستشفى في كافة أنحاء إنجلترا، وما يقرب من 1200 جهاز تنفس صناعي، وأكثر من 10000 ممرضة، وأكثر من 700 طبيب وأكثر من 8000 من عمال الصحة. وستوفر المستشفيات الخاصة في لندن وحدها أكثر من 2000 سرير مستشفى، وأكثر من 250 غرفة عمليات وأسّرة حرجة. وعلى المستوى الإداري تتطلب هيئة الخدمات الصحية الوطنية من المستشفيات الخاصة ما يقرب من 20000 موظف إضافي للمساعدة في إدارة الزيادة في حالات الإصابة.

وما يُميز التجربة الإنجليزية في إقحام المستشفيات الخاصة لتلعب دوراً مُهماً على ساحة مكافحة فيروس كوفيد-19، أنه بموجب شروط التعاقد بينها وبين هيئة الخدمات الصحية الوطنية، تم الاتفاق على أنه لن تحقق المستشفيات الخاصة ربحًا، وتضّطلع بالعمل بتكلفته دون جني أرباح إضافية. الأمر الذي ساوى بين كلا القطاعين الحكومي والخاص. وبالنظر لضوابط هذا الاتفاق يُعد بأنه الأول من نوعه على الإطلاق.

جدير بالذكر أن اضّطلاع المستشفيات الخاصة في إنجلترا لاستقبال وعلاج مُصابي فيروس كورونا المستجد، لا ينفي مسئوليتها في تقديم كافّة المساعدات الطبية الأخرى لمصابي باقي الأمراض الحرجة الأخرى كالسرطان على سبيل المثال.

وبموجب هذا الاتفاق البرّاق، سيسند إلى جهات طبية مستقلة، عملية مراقبة حساب مصروفات المستشفيات الخاصة، لضمان عدم تحقيق أرباح لمصلحتها الشخصية من جهة، وحساب التكلفة الفعلية لمرضى كوفيد-19 من ناحية أخرى لاقتضائها من الدولة.

أخيراً فإن مدّة هذا الاتفاق التي أبرمته هيئة الخدمات الصحية الوطنية مع المستشفيات الخاصة، 14 أسبوعًا كحد أدنى، يبدأ بنهاية مارس 2020، مع قابلية تجديده لمدة شهر آخر بعد إنتهاء تلك المدة.

بناء عليه تبدّدت مخاوف المرضى المتعلقة بارتفاع تكلفة التشخيص والعلاج في المستشفيات الخاصة، كذلك إتساع هيكل المنظومة الصحية في إنجلترا ليضم أكبر قدر من المصابين بفيروس كورونا المستجد، ومن ناحية ثالثة حالت دون انسحاب القطاع الصحي الخاص من المشهد الاستثنائي الكلي الذي يعيشه العالم كما هو الوضع في دول عديدة من بينها بعض دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. فضلاً عن ذلك أنموذج التجربة الإنجليزية قد وازن بين المصالح المتعارضة بين مصابي فيروس كوفيد-19، والمستشفيات الخاصة التي تسعى في المقام الأول لتحقيق الربح، كما أن هذا الاتفاق المتفرد يُجسد تحقيقا للمصلحة العامة من زاوية أخرى، وكفالة حق الإنسان في الصحة باعتباره أحد أهم الحقوق المصاحبة له لمجرد كونه إنساناً.

المحور الرابع: العبء الاقتصادي الناشئ عن مواجهة الفيروس المستجد

لا يتعلّق العبء الاقتصادي بما رصدته الدولة من أموال ضخمة لمكافحة الفيروس المستجد، وإنما هناك بُعد آخر لا يقل أهمية عنه، وهو الانحسار والانخفاض الناشئ في الناتج المحلي للدولة بسبب إجراءات الحجر الصحي التي يُعزل بمقتضاها المصابين فترة زمنيه تمنعهم من المساهمة فيه. ونتناول كلا الشقين على النحو التالي؛

أولاً: مُعدل انخفاض الناتج المحلي بالنسبة للمحجورين صحياً

الناتج المحلي الإجمالي “GDP” عبارة عن القيمة السوقية لكل السلع والخدمات النهائية محلياً (داخل دولة ما)، أي يتم إنتاجها داخل الدولة خلال فترة زمنية محددة، يُمكن القول إنه أيضاً كل ما ينتج من قبل الأفراد والشركات داخل الدولة.

 وفقاً للتدابير التي استقرت منظمة الصحة العالمية على تعميمها كأحد سبل الوقاية من فيروس كورونا المستجد، هو الحجر الصحي الذي يستمر لمدة 14 يوماً على الأقل. جدير بالذكر أن المصابون في تلك الفترة معزولون عن العمل فلا يُقدموا أي مساهمة تُذكر في الاقتصاد العام للدولة.

 وفي مصر – على سبيل المثال – يُمكن احتساب الضرر الاقتصادي الناشئ عن الحجر الصحي للمصابين، من خلال تحديد نصيب الفرد من الناتج العام المحلى ثم قسمته على 365 يوماً لمعرفة مقدار مساهمة الفرد في اليوم الواحد، أخيراً يكون حاصل ضرب هذا المقدار في 14 يوماً هو مُعدل الانخفاض في الناتج المحلى للدولة.

  وكما صرّح رئيس الوزراء المصري – نوفمبر2019 – في منتدى الأعمال المصري الأمريكي فأن مُعدل النمو الاقتصادي بلغ %5.6 بنهاية العام المالي 2018/2019، فيما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ليبلغ 42.900 جنيه للفرد في العام المالي 2018/2019.

بناء عليه يكون نصيب الفرد من الناتج المحلى في اليوم الواحد 42.900/365= 117.5 جنيهاً. من ثم يكون مقدار انحسار الناتج المحلي في 14 يوماً هو 1645 جنيهاً.

وبحاصل ضرب مقدار انحسار الناتج المحلي للفرد الواحد وهو (1645 جنيهاً) في عدد المصابين بفيروس كورونا المستجد في مصر والذي بلغ (12230 مُصاباً) حتى 17 مايو 2020، نجد أن مُعدل الانحسار في الناتج المحلي لمصر بلغ حتى التاريخ الأخير، 20 مليوناً و118ألفاً و350 جنيهاً، وهو بالطبع في زيادة مضّطردة تتزامن مع الزيادة التي تطرأ في عدد المصابين يومياً.

ولمّا كان عدد مصابو كورونا في مصر في 135 يوماً بلغ 12230، فإن نصيب اليوم الواحد من الإصابات يبلغ 91 مصاباً تقريباً، بناء عليه يكون مُعدل الإصابة لباقي أيام السنة البالغة 230 يوماً هو 20 ألفاً و930 مصاباً، ليبلغ إجمالي المصابين العام الجاري كله 33 ألفاً و215 مصاباً تقريباً.

بناء عليه فإنه متوقع انحسار في الناتج المحلي الإجمالي مع نهاية العام الجاري يبلغ قيمته 54 مليوناً و638 ألفاً و675 جنيهاً، وهو حاصل ضرب إجمالي عدد المصابين في قيمة الانحسار في الناتج المحلي للفرد الواحد مدة 14 يوماً. وذلك إذا استمرت وتيرة الإصابات بهذا النمط البطئ، إذ ربما تطرأ زيادة غير متوقعة يترتب عليها أيضاً انحسار في نسبة الناتج المحلي نتيجة الحجر الصحي لهؤلاء المصابين.

  وقد توقّع صندوق النقد الدولي، في تقرير المراجعة الرابعة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري، ارتفاع حجم الناتج المحلى الإجمالي المصري 6.458 تريليون جنيه خلال العام المالي 2019/2020، مقارنة بـ5.414 تريليون جنيه خلال العام المالي 2018/2019.

 جدير بالذكر أن التداعيات الاقتصادية الناجمة عن فيروس كورونا المستجد لا تقتصر على انخفاض معدل الناتج المحلي فحسب، وإنما يشمل كذلك الأموال التي رصدتها الدول لمكافحة هذا الفيروس وهي متباينة من دولة لأخرى.

ثانيا: التكلفة الاقتصادية التي تحملتها الدولة لمكافحة الفيروس المستجد

استقطعت الدول جزءً من ناتجها المحلي لمجابهة فيروس كورونا المستجد، وفقاً للمسح الذي أجرته وكالة رويترز الإخبارية، فقد أعلنت أستراليا عن حزمة بقيمة 50 مليار دولار، وهو 3.6% من الناتج المحلي الإجمالي. فيما أعلنت كندا عن حزمة بقيمة 176 مليار دولار أي حوالي %9.7 من ناتجها المحلي الإجمالي في مكافحة فيروسات التاجية. تتضمّن الحزمة خطّة لدعم 75% من أجور العمال الكنديين.

كما أعلنت فرنسا عن حزمة بقيمة 50 مليار دولار (%1.8 من الناتج المحلي الإجمالي) لمساعدة الشركات الصغيرة والعمال المتضررين من الفيروس.  أما ألمانيا فقد أعلنت عن حزمة بقيمة 156 مليار دولار (%4 من الناتج المحلي الإجمالي) لدعم الضمان الاجتماعي للأفراد والشركات إلى جانب صندوق ضمان بقيمة 600 مليار دولار (%16 من الناتج المحلي الإجمالي) لدعم الشركات وشراء حصص فيها. وأعلنت إيطاليا عن حزمة بقيمة 28 مليار دولار (%1.4 من الناتج المحلي الإجمالي)، والتي تشمل المساهمة في صندوق يضمن القروض للشركات الصغيرة والمتوسطة، وإغاثة للشركات المتضررة من جائحة الفيروسات التاجية.

أمّا في مصر فإن حجم الأموال التي تم رصدها لمكافحة الفيروس التاجي المستجد بلغت 6.4 مليار دولار أي ما يعادل 2% من الناتج المحلي المصري، كما تم تخصيص 8 مليارات جنيه لدعم قطاع الرعاية الصحية، بهدف توفير الإمدادات الطبية العاجلة والضرورية، وصرف المكافآت للعاملين الطبيين العاملين في مستشفيات ومعامل الحجر الصحي لدعم العاملين في المجال الطبي، بما في ذلك الأطباء العاملين في المستشفيات الجامعية، بينما بلغ حجم تلك الأموال في السعودية 120 مليار دولار وهو ما يعادل %6.9 من إجمالي الناتج المحلي.

بناء عليه تحمّلت المنظومة الصحية لكل دولة على حدة تداعيات فيروس كورونا المستجد، وقد تنوعت أوجه التكلفة لتشمل كل من؛

1 – تكلفة الإجراءات الصحية، المُتعلقة بالحجر والتحاليل، والمُعدات الخاصة، والساعات الإضافية للكوادر المتخصصة.

2- الإجراءات الوقائية الصحية، التي تشمل المعقمات والكمامات، واللقاحات ريثما تكون متوفرة.

3 – الإجراءات الوقائية غير الصحية، التي تشمل الترتيبات الأمنية عند الحدود وفي المنشآت العامة، ولإنفاذ الحجر العام وحظر التجوّل وغيرها.

4 – ساعات العمل المفقودة للمصابين وبسبب الغياب الوقائي، وبسبب الغياب للاهتمام بالأطفال بعد إغلاق المدارس.

 المحور الخامس: توظيف التكنولوجيا الحديثة في المنظومة الصحية

دخلت شركات التكنولوجيا العملاقة على موجة التعاون مع الأطباء والأكاديميين والهيئات الحكومية في جميع أنحاء العالم، لاستغلال أقصى قدرات التكنولوجيا لمكافحة الوباء المُستشري، بناء عليه التقت تلك الشركات الكبرى لاسيما (جوجل وأبل وميكروسوفت)، لمُناقشة كيفية المساهمة في أزمة وباء كورونا المستجد. ولعلّ أهم ما يُثار في هذا الخصوص، استخدام الطائرات ذاتية الطيران، وتقنيات الذكاء الصناعي، دخول الإنسآلة ضمن القوى العاملة الصحية على سبيل المثال.

أولاً: استخدام الطائرات ذاتية الطيران

تُعد طائرات الدرونز أو الطائرات بدون طيار، إحدى التقنيات الحديثة المُستخدمة في إدارة أزمة كورونا، وهي واحدةً من أسلم وأسرع الطرق للحصول على الإمدادات الطبيّة المطلوبة، خاصة في حالة تفشي الفيروس، وتُستخدم شركة Terra Drone اليابانية مركباتها الجوية التي تعمل من دون طيار لنقل العينات الطبية ومواد الحجر الصحي في بين مركز مكافحة الأمراض في مقاطعة «زينشانغ» الصينية والمستشفيات، مع تقليل المخاطر المتعلقة بالتعامل وجهاً لوجه، إعمالا لسياسات التباعد الاجتماع.

رُبما يُصادف تلك التقنية الحديثة تحديات ليست بالقليلة، لعلّ أهمها مقدار الوزن الذي يُمكن أن تحمله الطائرات بدون طيار، كذلك التكلفة التي تُعد من أهم مُعطيات الرعاية الصحية. وفي دراسة أجراها مجموعة من الباحثين منشورة في مجلة الصحة العالمية: العلم والممارسة “Global Health: Science and Practice” فإن المرحلة الأولى من استعمال تلك الطائرات اقتصرت على تسليم السلع الطبية في البلدان المنخفضة أو المتوسطة الدخل عبر الطائرات بدون طيار على سلع خفيفة الوزن للغاية (أقل من 5 كجم) ومسافات قصيرة نسبيًا (أقل من 50 كم). غير أن التكنولوجيا تتحسّن باستمرار، بحيث يُمكن أن تحمل طرازات الطائرات بدون طيار الجديدة (10 كجم) في الوزن وتصل إلى مسافة تبلغ (300 كم) وتلك هي المرحلة الثانية. أمّا بخصوص التكلفة فهي ترتبط بالمسافة والحمولة، ولم يتم بعد تحديد قيمة توصيل الطائرات بدون طيار إلى توفير الرعاية الصحية.

        وقد صرّح وزير النقل والمواصلات في بريطانيا أبريل 2020، أن الحكومة منحت مبلغ 28 مليون جنيه إسترليني لمدينتي ساوثهامبتون وبورتسموث من أجل تأسيس منطقة نقل لتسهيل مهمة طائرات الدرونز. ومن ضمن هذا المبلغ تم تخصيص 8 ملايين جنيه إسترليني لمبادرة تضطّلع باستخدام الطائرات بدون طيار في عمليات نقل البضائع ليُصار إلى استخدامها في السنوات والعقود المقبلة. ويُمكن للطائرات بدون طيار أن تحمل حوالي 220 رطلاً لمسافة 621 ميلاً كحد أقصى. تستغرق الرحلة من مطار سولنت إلى مستشفى سانت ماري في جزيرة وايت النائية “Isle of Wight”حوالي 20 دقيقة.

وعلى حدّ قول الأستاذ توم تشيريت “Tom Cherrett” في جامعة ساوثامبتون: “لقد تم استخدام الطائرات بدون طيار لتوصيل الإمدادات الطبية في بلدان مثل رواندا حيث تساعد في إنقاذ الأرواح من خلال الوصول إلى المجتمعات المعزولة بسرعة وبتكلفة زهيدة. وتجربة المملكة في استعمال هذا النموذج من الطائرات كان سيبدأ مع بداية عام 2021، إلا أن الضرورة هي التي دعت إلى الحاجة لتبكير موعد استخدامها”.

جدير بالذكر أنه لا ينحصر استخدام هذا النوع من الطائرات في مُجرد التوصيل الآمن للمستلزمات الطبية، بل يُعد في ذاته أحد سُبل زيادة كثافة القوى العاملة الصحية إذ أن وجود عدد كاف من الموظفين المدربين تدريباً مناسباً يمثل تحدياً مستمراً في العديد من البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل كما سبق وأوضحنا في المحور الثاني من الدراسة.

كما أن الاعتماد على الطائرات بدون طيار، قد يكون له تأثر في تنوع أنماط القوى العاملة الصحية. فيكون لهم دور في تحميل الطائرات بدون طيار أو تفريغها بالمستلزمات الطبية؛ تأمين موقع التحميل أو الهبوط أو الإقلاع؛ توثيق عمليات التسليم؛ إطلاق تلك الطائرات؛ أو إرشادها عن موقعها التالي. الأمر الذي يتطلب إعادة تدوير القوى العاملة الصحية بما يتناسب مع تلك الآلية الجديدة.

         وتتعدد استخدامات طائرات الدرونز، حيث يتم استخدامها كذلك في عمليات المسح السريع للمارة في الشوارع، وتوجيه الإرشادات والتعليمات الطبية والتوعوية لهم. فمثلًا تُحذّر الطائرة من لا يرتدي القناع الواقي في الشوارع، وتقوم بالكشف العشوائي عن الحالات التي يمكن أن تكون مصابة، من خلال قياس درجة حرارتها بالاعتماد على كاميرات حرارية تحملها هذه الطائرات، ويتم تشخيص الحالة المصابة عبر المختصين في غرف التحكم المركزية، كما أن طائرات بدون طيار أخرى يتم استخدمها في عمليات التعقيم عبر رش المواد الطهرة على الأشخاص في المناطق المزدحمة وفي الشوارع، لمكافحة انتشار الفيروس.

ثانيا: تطبيقات الذكاء الاصطناعي

يتم تتبع مخاطر الأمراض المُعدية باستخدام الذكاء الاصطناعي هي تلك الخدمة التي توفرها شركة BlueDot الكندية، والمُثير أن هذه الشركة اعتماداً على تقنياتها المتطورة، أطلقت تحذيراً بشأن التهديد المنتظر من الفيروس قبل أيام طويلة من إصدار مركز السيطرة على الأمراض والوقاية منها أو منظمة الصحة العالمية تحذيرها الأول من الفيروس. وقد اعتمد هذا التطبيق على تحليل البيانات التي تم رصدها في ووهان الصينية والتي كانت مماثلة لحد كبير من البيانات المتعلقة بمرض السارس، وعلى هذا الأساس تم إطلاق التحذير.

كما تُساعد تقنيات الذكاء الاصطناعي، أيضاً، في تشخيص الفيروس، حيث أطلقت شركة Infervision أحد الحلول التي تساعد العاملين في المجال الطبي على رصد واكتشاف المرض بكفاءة، ويعمل هذا التطبيق على تحسين سُرعة التشخيص باستخدام الأشعة المقطعية، بالإضافة إلى ذلك، قامت شركة التجارة الإلكترونية العملاقة «علي بابا» ببناء نظام تشخيص يعتمد على الذكاء الاصطناعي، بمقدوره تشخيص المرض بنسبة لا تقل عن 96% خلال ثوانٍ معدودة.

وتستخدم الصين نظم الذكاء الاصطناعي المرتبطة بتقنيات الجيل الخامس لمراقبة وتحديد حالة المرضى عن بعد. فمثلًا يتم مراقبة المرضى في مستشفيات مدينة ووهان الصينية من خلال غرف إدارة مركزية في العاصمة الصينية بكين، وذلك من خلال كاميرات ونظم طبية ذكية ونظم تحليل البيانات الضخمة التي تُمكّن الفريق الطبي المركزي من متابعة الحالة الصحية للمرضى، وتحديد درجة خطورتها، ومواعيد خروجها من المستشفيات.

كما تعتمد الصين على تطبيقات الهواتف الذكية للقيام بأمرين رئيسيين؛ أولًا: التحكم في صلاحية دخول المرضى للأماكن العامة، وذلك من خلال إنشاء بطاقة تعريف إلكترونية لكل مواطن بها رمز استجابة سريع يطلق عليه (QR code)، تحدد ما إذا كان هذا الشخص سليمًا أم يُعاني من أعراض الفيروس، أو هناك احتمالية لإصابته، وبناء على كل مستوى يتم السماح للشخص بدخول المناطق العامة مثل المطاعم والكافيهات والمحطات والمواقف الرئيسية من عدمه، ثانياً: تستخدم الصين أيضًا تطبيقات الهواتف الذكية لبناء قاعدة بيانات بالمصابين تشمل أسماءهم ومناطق إقامتهم والشركات التي يعملون بها، حتى يُسهل على باقي الأشخاص معرفة المصابين.

وتُساهم كذلك البيانات العملاقة في الحد من انتشار الفيروس. فمثلًا إذا أصيب أحد الأشخاص تستطيع السلطات الصينية، عبر نظم المراقبة الذكية الشاملة الموجودة في المناطق العامة من خلال الكاميرات والتي تستطيع التعرف على الوجوه وتحديد هويتها، أن تُحدد خط سير هذا الشخص، سواء كان استقلّ حافلة عامة أو قطارًا أو توجّه لمطاعم أو مناطق تسوق معينة، وبالتالي تعقيم المناطق التي مرت الحالة المصابة من خلالها، فضلًا عن إرسال تحذير علني إلى جميع الأفراد الذين مروا بهذه المناطق للتوجه للكشف الفوري.

ثالثاً: دخول الإنسآلة ضمن القوى العاملة الصحية

لا يتعرض الإنسآلة – الروبوتات- للعدوى من الفيروس، ولذا يتم نشر تلك الأجهزة الآلية لتنفيذ العديد من المهام المطلوبة لحصار الفيروس، مثل: عمليات التنظيف والتعقيم وتقديم الطعام والدواء إذعاناً للتباعد الإجتماعي، كما تستخدم روبوتات خاصة تنتجها شركة “Blue Ocean Robotics” الأشعة فوق البنفسجية، لقتل البكتيريا والفيروسات من دون تدخل بشري، بينما قامت شركة «بودو- Bodo» الصينية التي تبيع الروبوتات إلى المطاعم لأداء مهامها من خلال تغيير برمجتها لتعمل في أكثر من 40 مستشفى في أنحاء البلاد لدعم جهود مكافحة الفيروس.

بيد أن إحدى المشكلات الرئيسية التي ينجم عنها اتساع دائرة انتشار هذا المرض، هو مخالطة الحالات المصابة للطواقم الطبية، وهي مشكلة حرجة وملحة نظرًا لمحدودية عدد الطواقم الطبية اللازمة للتعامل مع هذه الحالات مقارنة بأعداد المصابين، ومن هنا كان استخدام الروبوتات الطبية لمعاونة الطاقم الطبي ومنعه من مخالطة الحالات المصابة، حيث تقوم كذلك الروبوتات بالكشف على المرضى، وتسجيل حالاتهم الطبية ودرجة خطورتها وبياناتها الصحية مثل العمر ودرجة الحرارة والأمراض الأخرى التي تعاني منها، ثم رفع تقارير للطواقم الطبية التي تحدد نوعية العلاج والجرعة اللازمة، كما تقوم روبوتات أخرى بتوصيل العلاجات والمواد الطبية المقررة إلى المرضى، دون أن يحدث احتكاك مباشر بينهم وبين الطاقم الطبي لمنع اتساع دائرة انتشار المرض.

الملاحق
أولاً: بيانات منظمة الصحة العالمية (2016-2018) 
الدولةالسنةعدد الأطباءعدد الأطباء / 10000 نسمةالعاملون في التمريضالعاملون في التمريض / 10000 نسمةعلماء المختبرات الطبيةفنيو المختبرات الطبية
مصر2018445024.52118957919.262152342349
مصر2017770837.99318585219.271212214133
مصر2016775798.21418182919.252223713169
السعودية20188802326.11718456554.7631205210709
السعودية20178396625.36618082154.627
السعودية20167713823.77618397156.705
الإمارات20182434525.2785515857.271
الإمارات العربية المتحدة20172310724.3565391556.829
الإمارات العربية المتحدة20162219523.715177755.311
الجزائر20187260417.1936535915.47713615238
الجزائر20177400017.8799200022.228
الجزائر20167430918.3259095822.43
فرنسا201821233732.672745485114.707
فرنسا201721116232.565723770111.62
فرنسا201620936732.376704220108.898
إيطاليا201824113639.77434800457.401
إيطاليا201724151239.80536771060.605
إيطاليا201623964239.50435402258.359
بريطانيا201818878328.11754870081.723
بريطانيا201718592127.86354879882.245
بريطانيا201618273727.56354862182.751

 

ثانيا: بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (مصر في أرقام 2020)
الوحدة الصحية بأسرّة طبقاً للقطاع (2008 -2018)
Health Unit With Beds by Sector (2008-2018)
السنة yearالقطاع الحكومي Gov. Sectorالقطاع الخاص Private Sectorالإجمالي Total%القطاع الخاص للإجمالي  %Private sector to total
20081146686183237.4
2009658941159958.8
2010660927158758.4
2011643926156959
2012646920156658.7
2013657937159458.8
2014659941160058.8
20156601002166260.3
20166621017167960.6
20176761094177061.8
20186911157184862.6

 

عدد الأسرّة طبقاً للقطاع (2008-2018)
N0. of Beds by Sector (2008-2018)
السنة yearالقطاع الحكومي Gov. Sectorالقطاع الخاص Private Sectorالإجمالي Total%القطاع الخاص للإجمالي  %Private sector to total
20081089661980212876815.4
20091034322125412468617
2010992702585312512320.7
2011983192582712414620.8
2012968202544712226720.8
2013982912600912430020.9
2014978262464712247320.1
2015932673109412436125
2016938973269812659525.8
2017961113598113209227.2
20189568335320131003

27

 عدد الأسرّة بالوحدات الصحية طبقا للقطاع والمحافظة (2017/2018)
20182017
%القطاع الخاص للإجمالي  %Private sector to totalالإجمالي Totalالقطاع الخاص Private Sectorالقطاع الحكومي Gov. Sector%القطاع الخاص للإجمالي  %Private sector to totalالإجمالي Totalالقطاع الخاص Private Sectorالقطاع الحكومي Gov. Sectorالمحافظة
28.32980384452135825.329281741521865القاهرة
33.7121824105807734.61205241757877الإسكندرية
26.5114630484222.313362981038بورسعيد
43.71007440567441034455579السويس
14.22818400241812.127553342421دمياط
26.493172464685330.3959429056689الدقهلية
2970552048500732.4717723274850الشرقية
26.482822184609830.3900027246276القليوبية
35.433131174213918.328575242333كفر الشيخ
27.370691928514129.7716321245039الغربية
20.452781076420220.4536910974272المنوفية
33.654551835362033.4482316093214البحيرة
23.61811428138323418214321389الإسماعيلية
45.88670396747036.2898242614721الجيزة
17.8255545521008.526705572113بني سويف
11.82297272202526.520102271783الفيوم
12.83474445302932.341965323664المنيا
17.570871237585011.5733613545982أسيوط
15.6399462433709.940488443204سوهاج
22.22191487170425.220814011680قنا
12.1182922116084.121395251614اسوان
11.710341219138.8100188913الأقصر
42.978033544548.3860415445البحر الأحمر
13.14966543112.849463431الوادي الجديد
12.699312586811.9893106787مطروح
10.25775951815.661496518شمال سيناء
15.54907641418.250692414جنوب سيناء
630.11310033532095683806.91320923598096111الإجمالي

 

عدد الأطباء البشريين والصيادلة وأطباء الأسنان وهيئة التمريض القائمين بالعمل بديوان عمل الوزارة ومديريات الشئون الصحية والسكان والجهات التابعة لوزارة الصحة والسكان بالقطاع الحكومي 2018 
الإجمالي Totalهيئة التمريض Nursing Staffأطباء الأسنان Dentistsالصيادلة Chemistsأطباء بشريون Doctorsالجهات
361570196686219895157991316الإجمالي العام
283615143169197464501475686مديريات الشئون الصحية
18768702266918المؤسسات العلاجية
253322034940314143166الجامعات
3555624152151238366056التأمين الصحي
285512531032891210المستشفيات والمعاهد التعليمية
2821132643100هيئة النقل العام
720232231256063248الأمانة العامة للمراكز الطبية المتخصصة
4852355752311932الأمانة العامة للصحة النفسية

 

الإنفاق العام للدولة على الصحة طبقاً (للموازنة العامة للدولة) (2020/2019- 2019/2018)
Item20/1919/18البيان
The State public expenditure15745591424019الإنفاق العام للدولة
Public Expenditure on Health7306261811الإنفاق العام على الصحة
Percentage of public expenduture on Health to public expenditure (%)4.64.3نسبة الإنفاق العام على الصحة إلى الإنفاق العام (%)

 

عدد مرضى العيادات الخارجية والاستقبال بالمستشفيات التخصصية طبقاً للمحافظات 2018 عام
No of patients in Outpatient clinc & ReceptionEspcialized Hospitals, By Governarate 2018المحافظة
الإجمالي Totalاستقبال Receptionمرضى العيادة الخارجية Outpatient clinic patients
16767711361641540607القاهرة
16671232943021372821الإسكندرية
42526171449353812بورسعيد
37644963442313007السويس
248910137790111120الإسماعيلية
1020647140132880515دمياط
682005110085571920الدقهلية
38025133189347062الشرقية
70374052580651160القليوبية
817610102378715232كفر الشيخ
17172471813311535916الغربية
64828793308554979المنوفية
968608253776714832البحيرة
60781548781559034الجيزة
4000899610390479بني سويف
53015367265462888الفيوم
92889458628870266المنيا
74251642322700194أسيوط
90867776100832577سوهاج
30448643798260688قنا
31336550789262576أسوان
15815817969140189الأقصر
405351300227533البحر الأحمر
236892122122114770مطروح
326501061022040الوادي الجديد
93986853شمال سيناء
16538078223100814307070الإجمالي

 

ثالثاً: إحصاءات تقرير الصحة العالمية لعام 2019 – رصد الصحة لأهداف التنمية المستدامة
المنطقة الجغرافيةعدد الأطباء لكل 10000 نسمةعدد العاملين في التمريض لكل 10000 نسمة
المنطقة الأفريقية2.811
منطقة الأميركتين23.361.9
منطقة جنوب شرق آسيا7.419.9
المنطقة الأوروبية33.880.6
منطقة شرق البحر الأبيض المتوسط9.915.2
منطقة غرب المحيط الهادئ1832.6

رابعاً: قاعدة بيانات جسور لوباء كورونا بحسب المنطقة الجغرافية (10/مايو/2020)
المنطقة الجغرافيةإجمالي الوفياتإجمالي الوفيات/مليون نسمةنسبة الوفيات من الإصابات %نسبة الحالات الحرجة من الإصابات %
غرب أوروبا1458935921
أمريكا الشمالية867392922
أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي219271142
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا12841321
شرق آسيا والمحيط الهادئ7578221
شرق أوروبا وآسيا الوسطى5928511
جنوب آسيا34021
أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى107514

خامسا: بيانات البنك الدولي – عدد الأسرّة لكل 1000 نسمة لعام 2018 
الدولةعدد الأسرة لكل 1000 نسمة
بلجيكا5.64
كندا2.5
الدنمارك2.5
لوكسمبورج4.51
مصر1.3

سادسا: حجم الأموال المرصودة لمكافحة فيروس كورونا المستجد

الدولةحجم الأموال بالمليار دولارالنسبة من الناتج المحلي
أستراليا 503.6
كندا 1769.7
فرنسا 501.8
ألمانيا 1564
إيطاليا 281.4
مصر6.42
السعودية1206.9
أهـــم المصــــادر
أولا: باللغة العربية
  • تداعيات “كوفيد-19” على القارة السمراء، تقرير صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء المصري، أبريل 2020. التقرير متاح على الموقع التالي: https://www.idsc.gov.eg/IDSC/DocumentLibrary/View.aspx?id=4035 .
  • تقرير منظمة التعاون الإسلامي حول الصحة 2019، منظمة التعاون الإسلامي، مركز الأبحاث الإحصائية والاقتصادية والاجتماعية والتدريب للدول الاسلامية (سيرسك)، نوفمبر 2019. التقرير متاح على الموقع التالي:

https://www.sesric.org/publications-detail-ar.php?id=491 .

ثانيا: باللغة الإنجليزية

https://apps.who.int/gpmb/assets/thematic_papers/tr-4.pdf .

https://www.researchgate.net/publication/272946746_Use_of_Unmanned_Aerial_Vehicles_for_Medical_Product_Transport