أسعار الغذاء تقفز في 3 شهور الغزو %5 مُقارنة بما قبلها

محمود سلامة الشريف

قَفَزَت أسعار الغِذاء في شهر فبراير 2022 تزامناً مع الغزو الروسي لأوكرانيا بنسبة %4 مُقارنة بشهر يناير الذي لم ترتفع فيه أسعار الغذاء سوى %0.2 فقط، ثم ارتفعت مرّة أُخرى بنسبة %13.17 في مارس لتُسجل أعلى نِسبة ارتفاع شهري منذ إطلاق “المؤشر المُجمّع لأسعار الغذاء” في بداية تسعينيات القرن الماضي، الصادر عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة(الفاو)، قَبل أن تشهد انكماشاً حذِراً في إبريل لتُسجل نِسبة ارتفاع ضئيلة قدرُها %0.77، ليكون مُتوسط مجموع ثلاثة شهور منذ بدء الغزو الروسي هو %6 يُعادل مُتوسط مجموع زيادات الأسعار في 3 سنوات سابقة على هذا الغزو، فرغم تداعيات جائحة كورونا في عامي 2020 و 2021 إلاّ أنّ مُتوسط ارتفاع الأسعار لم يتجاوز %2.6 و%2.2 للعامين على التوالي، وفي عام 2019 كانت نسبة الزيادة خلاله %1.4 فقط.

أمّا في الـ3 شهور السابقة على الغزو مباشرة وهم شهور (يناير وديسمبر ونوفمبر) كان متوسط ارتفاع الأسعار %1 فقط، أي أن معدل ارتفاع الأسعار تضاعفَ 5 مرات إضافية في فترة الغزو بنسبة %5.
يرصُد «مؤشر الفاو المُجمّع لأسعار الغذاء» مُتوسط مُعدلات التغيّر الشهري في الأسعار الدولية لمجموع خمسة من السلع الغذائية الأساسية وهم (الحبوب، الزيوت النباتية، الألبان، اللحوم، السكر)، وذلك في الفترة ما بين 1990 حتى 2022(الشكل رقم1-). انخفض مُتوسط الأسعار خلالها في 14 عاماً مقابل زيادتها في 19 عاماً، إلاّ أنّ أعلى نسبة زيادة في الأسعار تحقّقت في عام 2007 بالتزامن مع بِدء الأزمة الاقتصادية العالمية لتُسجل %2.7، في المُقابل تضاعفت تلك النسبة في الشهور الأولي من العام الجاري 2022 إبّان الغزو الروسي لتسجل الزيادة في الأسعار بما متوسطه %5.5 وهو ما يُنذر بخطر مُحدق يُهدد الأمن الغذائي العالمي نتيجة لتعطّل حركة الزراعة وسلاسل الإمداد عبر البحر الأسود، فضلاً عن تعليق صادرات سلع بعينها لتلبية الحاجات المحلية لكلا الدولتين.
لم تتماثل نسب الزيادة في مؤشرات الغذاء الأساسية الخمسة، بل تباينت فيما بينها على النحو الآتي؛
مؤشر أسعار الحبوب
%30 من امدادات القمح في العالم تنتجها روسيا وأوكرانيا، ومع اشتعال فتيل الأزمة بينهما ارتفعت أسعار الحبوب في 3 شهور الحرب (فبراير، مارس، إبريل) بموسط 158.1 نقطة، أي بنسبة %7 تقريباً، هذه الزيادة لم تشهدها أسعار الحبوب في فترة الرصد وهي 32 عاماً منذ 1990، وفي السنة السابقة على الغزو مباشرة لم يتخط متوسط نسبة الزيادة %3 رغم الاضطرابات التي خلفتها جائحة كورونا ومن بعدها أزمة سلاسل الإمداد العالمية. وإذا ما قسّمنا فترة الرصد إلى 3 عقود متتالية نُلاحظ تفاوتاً في نسبة زيادة أسعار الحبوب قبل الغزو وأثناءه، ففي العقد الأول (1991 – 2000) بلغ متوسط نسبة الزيادة %2.8 لتشهد حالة استقرار طبيعية، بينما ارتفعت هذه النسبة لتصل إلى %3.4 في العقد الثاني (2001 – 2010) بزيادة طفيفة لا تتجاوز %0.6 عن العقد الذي سبقه، قبل أن تعود أدراجها مرة أخرى لتسجل أقل نسبة نمو في زيادة أسعار الحبوب في العقد الأخير قبل الغزو (2011-2020) بمتوسط %2.4 فقط. في المقابل قفزت أسعار الحبوب في 3 شهور الحرب فقط إلى %7 أي بمعدل يزيد على مجموع متوسط أكثر عقدين تسجيلاً لنسب زيادة في أسعار الحبوب وهما العقدين الأول والثاني اللّذان سجّلا ما مجموعه %6.2، هذه الزيادة الضخمة في أسعار الحبوب التي تفاقمت عقب الغزو ربما تكون منطقية إذا ما علمنا أن مجموع ما صدّرته الدولتان من القمح هو 53 مليون طناً، و10.7 مليون طناً من الشعير، و28.7 مليون طناً من الذرة في 2021 حسب بيانات (الفاو).
مؤشر أسعار اللحوم
طالت الزيادة أسعار اللحوم كذلك ولكن ليس بالقدر الذي لحق أسعار الحبوب، إذ سجل مؤشر الفاو لأسعار اللحوم 111 نقطة في فبراير، و116.6 نقطة في مارس، و119.2 نقطة في أبريل، ليكون متوسط الزيادة المتزامنة مع الغزو الروسي في الـ3 شهور مجتمعة هو 115.6 نقطة، أي بمتوسط زيادة بلغ نسبته %2.8، هذه الزيادة لم تكن الأسوأ على الإطلاق خلال فترة الرصد، وإنما في الحقيقة هي تقع في المركز الثالث من حيث الترتيب بحسب أعلى زيادة لحقت بأسعار اللحوم عالميا، لتجيء بعد عامي 2008 الذي سجل المؤشر بنهايتها نسبة ارتفاع بلغت %4.7 تعاصرا مع أزمة الكساد الكبير، و1995 الذي شهد هو الآخر زيادة في أسعار اللحوم بلغت نسبتها %3.3. بينما ترددت نسب الزيادة السنوية في أسعار اللحوم بين %2 و2.6 في 11 عاماً من فترة الرصد، وتراوحت بين %0.8 و%1.9 الـ19 عاماً الأخرى.
مؤشر أسعار زيوت الطعام
تعرّضت زيوت الطعام لتقلبات حادّة وبالأخص في 3 شهور الغزو الروسي لأوكرانيا، إذ بلغ متوسط ارتفاع أسعارها بحسب مؤشر الفاو 225.3 نقطة، وهو ما لم يحدث في السنوات السابقة عليه، حيث سجل ما متوسطه 163.9 نقطة في 2021، و100.5 نقطة في 2020، و83.7 نقطة في 2019. أما في الفترة بين 1990 و2018 لم تتجاوز فيها زيادة أسعار الزيوت الطبيعية 141 نقطة سجلها المؤشر في عام 2011، بينما كان عام 2000 هو الأقل على الإطلاق في معدلات الزيادة في الأسعار مُسجلاً 53.9 نقطة فقط. من ثم يُقدّر متوسط الارتفاع بالنسبة المئوية في فترة الغزو %13 في 3 شهور فقط، ليتجاوز متوسط نسبة ارتفاع أسعار الزيوت الطبيعية الذي شهده العامين السابقين على الغزو مجتمعين وهما 2021 و2020 اللّذان سجلّا %5 و%7.8 توالياً.
مؤشر أسعار منتجات الألبان
قفزت أسعار منتجات الألبان بنسبة %6.7 في فبراير 2022 تزامناً مع الغزو الروسي لأوكرانيا، وهي ثاني أعلى نسبة ارتفاع شهرية في أسعار هذه المنتجات في الـ6 سنوات السابقة على الغزو، وتحديداً بعد شهر أغسطس 2016 الذي سجّل المؤشر نسبة الارتفاع فيه %7.6، أما من حيث التغيّر السنوي في أسعار منتجات الألبان نلحظُ أن مستويات ارتفاع الأسعار في 3 شهور الحرب لم تشذّ عن المألوف، حيث بلغت نسبة الارتفاع في مجملها %3.5 وهو أقل من متوسط ارتفاع الأسعار في 9 سنوات من فترة الرصد(1990-2022)، وهم 1990، 2007، 2008، 2002، 1991، 1994، 2014، 2009، 2015، إلا أن أعلى نسبة ارتفاع أسعار كانت من نصيب عام 1990 والتي بلغت وقتئذ %7.8، بينما كانت أقلها كانت من نصيب عام 2015 بنسبة %3.56، ليكون عام 2020 حتى الآن في المركز العاشر من حيث المعدل السنوي لنسب ارتفاع أسعار هذه المنتجات على أمل ألا تشهد باقي شهور العام زيادة مفاجئة في أسعارها.
مؤشر أسعار السكر
جاءت أسعار السكر متوازنة إلا حدٍّ كبير لتسجل ارتفاعا بـ 108 و115 و119 نقاط من فبراير إلى إبريل 2022، ليكون متوسط نسبة ارتفاع أسعاره %3.9، وإذا ما قورنت بالفترات السابقة نجد أن النسق التصاعدي لها نسق طبيعي لم يتأثر كثيراً بالغزو الروسي لأوكرانيا خاصة إذا علمنا أن متوسط نسبة الارتفاع في أسعار السكر بلغت %3.8 في عام 2021، بينما كانت مرتفعة إلى الضعف تقريباً في 2020 حيث وصلت إلى %7.
أصبح رجوع الأسعار إلى حالتها الطبيعية مرهوناً بانتهاء الغزو الروسي لأوكرانيا أولاً، ثم إعادة الحال إلى ما كان عليه ثانياً، سواء فيما يتعلق بحجم التصدير أو بسيولة الحركة عبر البحر الأسود، وتقليص الأزمة العالمية لسلاسل الإمداد ثالثاً، وحتى يتحققّ ذلك ليس على الدول سوى أن تجد البدائل الملائمة لاسيما ترشيد استهلاك السلع الأساسية الخمسة فضلاً عن الاستعاضة بالزراعة عن الاستيراد متى أمكن ذلك، وإلاّ سنكون أمام خيارين أحلاهما مُرّ، الأول زيادة العبء على موازنات الدول وبالأخص الفقيرة التي ستضطر إلى الشراء رغم الارتفاع غير المسبوق في الأسعار، وإما اتساع رقعة انعدام الأمن الغذائي لها.