اشتد الصراع في الآونة الأخيرة على اقتناء العناصر والمعادن النادرة، والتي تُستخدم في الصناعات الكبري والحساسة، ولعلّ من بينها معدن التايتينوم (Ti)، الذي يتمتع بخصائص فريدة من بينها توافقه حيويًا مع جسم الإنسان، ما يعني صلاحية استخدامه على نطاق واسع في المجالات الطبية لا سيما زراعة الأسنان والمفاصل الصناعية. كما يتمتع التيتانيوم بقوة انصهار عالية، وخفة في الوزن، ومقاومة عالية ضد التآكل، ما يجعله مناسبًا للاستخدام في صناعة الطيران و مركبات الفضاء وغيرها.
تشير البيانات أن العالم أنتج ما يزيد على 7,4 مليون طن من التايتانيوم في عام 2018، وظل في ارتفاع مضطرد في الأعوام التالية ليبلغ أقصاه في عام 2022، ويحقق زيادة في الإنتاج تقدر بـ 20% ليتجاوز 8,9 مليون طناً، كما هو موضح في الشكل رقم-1.
تشير البيانات كذلك أن أوكرانيا تتفوق على الولايات المتحدة الأمريكية بفارق كبير في انتاجها من التايتانيوم في الخمسة اعوام محل الرصد مجتمعة، حيث بلغ إجمالي انتاج أوكرانيا منه قرابة 2,3 مليون طن، بينما بلغ انتاج الولايات المتحدة 600 ألف طن فقط، أي أن الولايات المتحدة تستخرج 26% فقط مما تستخرجه أوكرانيا في الفترة ما بين 2018 و2022، ما يعني أن أوكرانيا استخرجت نحو 4 أضعاف ما استخرجته أمريكا.
ظلت أوكرانيا متفوقة على الولايات المتحدة الأمريكية في استخراج التايتانيوم في الأعوام الأربعة الأول أي منذ عام 2018 وحتى 2021، وتراجعت في عام واحد فقط وهو عام 2022، حيث بلغ انتاجها 518,950 طن في 2018، و 564,050 طن في 2019، و 537,430 طن في 2020، و 489,200 طن في 2021، في المقابل اتسم إجمالي ما تستخرجه الولايات المتحدة بالثبات حيث انتجت 100 ألف طن سنوياً قبل أن يرتفع انتاجها إلى 200 ألف طن في عام 2022، بينما انكمش انتاج أوكرانيا بنسبة 63% في العام ذاته ليبلغ 180 الف طن فقط نتيجة الصراعات السياسية التي تشهدها مع روسيا.
يُبرز الفارق في استخراج وانتاج التايتانيوم بين أوكرانيا والولايات المتحدة الأمريكية ترتيب كل منهما بين الدول عالمياً، حيث حلّت أوكرانيا في الترتيب السادس بين 23 دولة منتجة للتايتانيوم في عام 2018، بينما جاءت في الترتيب الخامس عالمياً في الأعوام الثلاثة التالية أي في 2019، 2020، 2021، في المقابل كان ترتيب الولايات المتحدة هو الـ 15 عالمياً في الأعوال الأربعة الأولى 2018-2021، ومع تراجع انتاج أوكرانيا من التايتانيوم في العام الأخير من أعوام الرصد وهو 2022 تراجع ترتيبها بالتبعية إلى الـ 11 عالمياً، بينما صعدت الولايات المتحدة الامريكية إلى الترتيب العاشر في العام ذاته.
استحواذ أوكرانيا على معدن التايتانيوم بالإضافة إلى مجموعة أخرى من المعادن النادرة لاسيما الكوبالت والنيكل وغيرها، جعلها هدفًا استراتيجيًا للولايات المتحدة، حيث إن هذه المعادن ضرورية للعديد من الصناعات الحيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة، الطيران، الدفاع، والطاقة المتجددة، وغيرها. فضلا عن ذلك تسعى الولايات المتحدة لتقليل اعتمادها على الصين وروسيا في استيراد هذه المعادن، وبالتالي تأمين مصادر بديلة ومستدامة من أوكرانيا يمكن أن يعزز أمنها الاقتصادي والتكنولوجي، ولعلّ أزمة أوكرانيا السياسية والعسكرية واحتياجها لترسانة الأسلحة الأمريكية يجعلها تذعن لإبرام صفقات المعادن النادرة ومقايضتها لمواجهة التحديات التي تشهدها نتيحة الغزو الروسي لها.
تجدر الإشارة إلى أن هناك 23 دولة منتجة للتايتانيوم، تتصدرهم الصين التي أنتجت ما يجاوز 13 مليون طن من التايتانيوم في الخمس سنوات محل الرصد، لتستحوذت منفردة على أكثر من 31% من انتاج التايتانيوم عالمياً ، تلاها في الترتيب وبفارق كبير كلا من موزمبيق وجنوب أفريقيا حيث انتجتا كل منها 4,8 مليون طن، وفي الترتيب الرابع جاءت استراليا بمعدل انتاج تجاوز 3,6 مليون طن، ثم كندا التي يتجاوز انتجاها 2,6 مليون طن. وفي الترتيب السادس جاءت أوكرانيا كما ذكرنا آنفاً. كما هو موضح بالشكل رقم-2
تشير البيانات أن قارة أفريقيا حاضرة وبقوة في انتاج التايتانيوم، حيث انتجت 6 دول ما مجموعة 14,7 مليون طن في فترة الرصد، ليكون نصيب تلك الدول قرابة 35% من إجمالي ما تنتجه ال23 دولة مجتمعة،و تلك الدول هي موزمبيق وجنوب أفريقيا بمعدل أكثر من 4,8 مليون طن، ثم السنغال ومدغشقر وكينيا بمعدل 1,4 مليون طن تقريباً، وأخيرا سيراليون بمقدار 757 ألف طن تايتانيوم. وتذيل ترتيب الدول منتجة التياتانيوم كلا من تايلاند، وروسيا، وتركيا، وماليزيا، و إيران، وهذه الدول بلغ انتاجها من التايتانيوم أقل من 70 ألف طن في الخمس سنوات، وذلك بمقدار متفاوت بين كل دولة وأخرى.
لا شك أن المعادن النادرة مثل التايتانيوم تلعب دورًا حيويًا في الاقتصاد العالمي. هذه المعادن تُستخدم في العديد من الصناعات الحيوية مثل التكنولوجيا المتقدمة، الطاقة المتجددة، والصناعات الطبية والعسكرية، كما يُستخدم في صناعة الطاقة، بما في ذلك محطات الطاقة النووية وتوربينات الرياح، نظرًا لقدراته على تحمل الظروف القاسية، وبدهي أن تتكالب عليه الدول وبخاصة الصناعية الكبرى، ولعلّ الظروف الجيوسياسية المتوترة التي تمر بها الدول كما هو الوضع في أوكرانيا تدفعها نحو التخلّي عن هذه المعادن مقابل السلاح من خلال اتفاقات اقتصادية متبادلة.