تحويل المحاصيل الدائمة عالية القيمة إلى ” ممتص الصدمات” بحصة 5.2 % من إجمالي الأرض الزراعية

من مراجعة البيانات الإحصائية الخاصة بالمساحات المخصصة للمحاصيل الدائمة عالية القيمة بالصين، مقارنة بإجمالي مساحة الأرض الزراعية ككل، تبين أن حصة هذه النوعية من المحاصيل قد تضاعفت عدة مرات خلال السنوات الخمسين الماضية، حيث قفزت الحصة من 2 مليون و771 الف هكتار تعادل 0.7 % من إجمالي الأراضي المزروعة بالصين في العام 1974، لتصبح 20 مليونا و326 الف هكتار بنسبة 5.2 % من الإجمالي في العام 2024، وبمزيد من القراءة في الأرقام، تبين ان هذه المحاصيل لم تكن مجرد مزروعات تدر عائدا ما، بل جري إعادة صياغة دورها لتعلب لتصبح “ممتص الصدمات” في السياسة الدفاعية والهجومية والبني التحتية الصينية المفترض تفعيلها فى صراعها علي قيادة العالم مع أمريكا وروسيا والغرب … كيف؟
من الضروري أولا معرفة أن المحاصيل الدائمة يقصد بها المحاصيل ذات القيمة المضافة العالية (مثل الفواكه المدارية والمعتدلة، المكسرات، الزيوت الشجرية، والمطاط)، والتي تستمر في الأرض لفترة طويلة وشبه دائمة، وبسبب هذه الخصائص (القيمة المضافة العالية والوفرة في العائدات مع الثبات في الأرض لفترات طويلة)، بدأت الصين رحلتها الطويلة في تحويل هذه الشريحة من القطاع الزراعي من شيء هامشي، إلى مورد رئيس له دور عريض النطاق في القوة الشاملة الصينية سلما وحربا.
احصائيا، انطلقت رحلة التحول من نقطة قاع متواضعة في العام 1974 حينما كانت المساحة المنزرعة بهذه المحاصيل في أدني مستوياتها عند 2 مليون و771 ألف هكتار، تعادل 0.7% من اجمالي الرقعة الزراعية، وبعد ذلك اتخذت الأمور منحنى تصاعدياً متواصلاً وشبه خطي عبر ثلاث مراحل زمنية متمايزة:
المرحلة الأولى جري فيها التوسع بالرقعة الزراعية الإجمالية والرقعة الزراعية للمحاصيل الدائمة عالية القيمة معا على التوازي، واستمرت هذه المرحلة من العام 1974 الي العام 1991، وخلال هذه الفترة ارتفعت مساحة المحاصيل الدائمة من 2 مليون و771 ألف هكتار الي 7 ملايين و721 ألف هكتار، لترتفع النسبة من 0.7 % الى 1.7%، وتشير الأرقام هنا إلى علاقة طردية متزامنة، جعلت التوسع في المساحة الإجمالية يستوعب التوسع في المحاصيل الدائمة دون الضغط على باقي المساحات.
انتقلت الصين بعد ذلك إلى المرحلة الثانية من التعامل مع المحاصيل الدائمة عالية القيمة، والتي شهدت علاقة متعاكسة بين إجمالي الأراضي المزروعة ومساحة أراضي المحاصيل الدائمة، حيث تراجع اجمالي الأراضي المزروعة بصورة واضحة وانخفضت من حوالي 443 مليون فدان في 1991 الي حوالي 391 مليون فدان في عام 2020، وفي المقابل ارتفعت مساحة المحاصيل الدائمة من حوالي 7 ملايين و700 ألف فدان في 1991 الي ما يزيد علي 19 مليون فدان عام 2020، وأصبحت نسبتها 4.9 % من اجمالي الأراضي المرزوعة ارتفاعا من 1.7 % عام 1991.
بدأت المرحلة الثالثة في العام 2020، والتي تشير الأرقام إلي أن الصين اتخذت فيها نهجا جديدا قوامه الاستقرار والتثبيت فيما بين المساحتين، وكأنها اهتدت الي المساحة الأنسب من المحاصيل الدائمة، وباقي الأرض المزروعة بجميع المحاصيل الأخرى، اذ توقفت المساحة الكلية عن الانخفاض واصبح التغير محصورا في نطاق ضيق جدا، كما توقفت المساحة المخصصة للمحاصيل الدائمة عن النمو والتوسع الكبير، واستقرت عند معدلات طفيفة جعلتها تصل ذروتها الأكبر في العام 2024، حينما أصبحت مساحتها 20 مليونا و326 الف هكتار، مقابل 392 مليون هكتار للإجمالي العام للأرض المزروعة.
مع المضي قدما في قراءة هذه الأرقام رياضيا، سنلاحظ أنه في عام 1974، كان كل 152 هكتار من الأراضي الزراعية الإجمالية يحتوي على هكتار واحد فقط من المحاصيل الدائمة، وفي عام 2024، أصبح كل 19.3 هكتار من الأراضي الزراعية الإجمالية يحتوي على هكتار واحد من المحاصيل الدائمة، وهذا يعكس تسارع معدل الإحلال والتركيز الداخلي بمقدار 7.8 أضعاف، وهذه القراءة الرياضية تطرح السؤال التالي: لماذا قفزت الصين بالمحاصيل الدائمة عالية القيمة على هذا النحو حتى بلغت ما رأت انه الذروة في العام 2024؟
في ضوء السياقات المحلية والإقليمية والدولية، والاستراتيجية الصينية العالمية في تعاملها مع منافسيها وخصومها وربما اعدائها، يمكن القول أن المنهجية التخطيطية للدولة الصينية، عملت على تحويل القطاع الزراعي من مجرد قطاع إعاشي تقليدي إلى بنية تحتية سيادية و أداة ردع غير متماثلة، تستخدمها لتأمين جبهتها الداخلية وتنويع سلاسل الإمداد العالمية للوفاء بمتطلبات صراعها الخارجي متنوع الأطراف، وقد تجسدت هذه الرؤية على الأرض في عملية تحول هيكلي لإعادة تخصيص المساحات لصالح المحاصيل الدائمة ذات القيمة المضافة العالية، مع الاستعاضة عن تقلص الرقعة السطحية عبر الرفع الرأسي للإنتاجية (مخرجات الهكتار الواحد) بالاعتماد على الهندسة الوراثية وتطبيقات الميكنة والري الحديث.
جاء ذلك بعد أن أدركت الصين عدم قدرتها على المنافسة في المحاصيل الحقلية كثيفة استهلاك المياه والأراضي مقارنة بالولايات المتحدة. فبدأت باستيراد الحبوب المنخفضة التكلفة، وركزت رقعتها الزراعية الداخلية على المحاصيل الدائمة عالية القيمة الاقتصادية، مما رفع دخل المزارعين وحفظ الاستقرار الاجتماعي في الريف.
انطلاقا من ذلك كله، يمكن القول أن خطة التحول التي شهدتها المحاصيل الدائمة عبر الـ 50 سنة الماضية، جعلت لهذه المحاصيل موقعا لا يستهان به في موازين القوة داخل الصين وأمام خصومها ومنافسيها، فعلي سبيل المثال في سيناريو اندلاع نزاع عسكري مباشر في مضيق تايوان أو بحر الصين الجنوبي، يمكن أن نفرض الولايات المتحدة وحلفائها حصارات بحرية على مضيق ملقا لمنع وصول شحنات المواد الغذائية والطاقة، لكن البيانات الإحصائية تقول أن الصين جاهزة لاستخدام المحاصيل الدائمة كمصدات استراتيجية داخلية يوفر وجودها على مدى عقود مخزوناً شجرياً مستداماً لا يتأثر بالانقطاعات الموسمية للواردات، مما يزيد من قدرة التحمل الصينية في حرب استنزاف طويلة الأمد.
وتتكامل هذه الرؤية، مع الرؤية العامة التي وضعتها الصين لموقع قطاعها الزراعي ككل في الصراع المحتمل او التنافس الحالي، والتي من بينها تنفيذ أقصى درجات الاكتفاء الذاتي في المحاصيل الاستراتيجية داخلياً، بعدما اتاحت التكنولوجيا الحيوية الصينية (مثل الأرز الهجين لمؤسسها يوان لونغ بينغ) إمكانية توفير الحبوب الغذائية الرئيسية على مساحات أصغر، وتخصيص المساحات المتبقية للمحاصيل الدائمة عالية القيمة، مما يمنح الدولة مرونة مالية ولوجستية هائلة في مواجهة التضخم الغذائي العالمي.