جغرافيا: 58% من أعمال أكبر 300 تعاونية بغرب أوروبا و0.18% بالشرق الأوسط وشمال أفريقيا

تكشف بيانات مرصد التعاونيات العالمي أن خريطة التعاونيات الكبرى في العالم شديدة الانحياز جغرافيًا، ففي 2023 بلغ حجم أعمال أكبر 300 تعاونية ومؤسسة تبادلية 2,787.05 مليار دولار، استأثرت منطقة غرب أوروبا وحدها بـ1,616.99 مليار دولار منها، أي ما نسبته 58.0%، وأضافت أمريكا الشمالية 736.96 مليار دولار بنسبة 26.4%، ليبلغ نصيب المنطقتين معًا 84.5%، في حين لم يتجاوز نصيب الشرق الأوسط وشمال أفريقيا 4.93 مليار دولار، أي ما نسبته 0.18% فقط.
لم يكن تفوق غرب أوروبا ثابتًا فحسب بل متزايدًا، إذ ارتفع حجم أعمال تعاونياتها بنسبة 50.7% عن مستواه في 2010 البالغ 1,073.14 مليار دولار، وصعدت حصتها من 54.3% إلى ذروة بلغت 60.6% في 2021 قبل أن تستقر عند 58.0% في 2023 (الجدول 1). واللافت أن هذا التوسع تحقق مع تراجع عدد تعاونيات المنطقة في القائمة من 173 إلى 159 تعاونية، ما رفع متوسط حجم أعمال التعاونية الواحدة من 6.20 إلى 10.17 مليار دولار.
أما منطقة أمريكا الشمالية فقد حافظت على حصتها تقريبًا بين 27.1% ثم 26.4%، لكن مسارها في فترة الرصد كان الأكثر اضطرابًا، إذ بلغت 30.8% في 2015 ثم هبطت إلى 24.1% في 2016 وإلى 19.9% في 2018. وتكشف بيانات الولايات المتحدة الامريكية أن هبوط 2016 البالغ 179.42 مليار دولار لم يكن انكماشًا اقتصاديًا، بل نتيجة خروج 18 مؤسسة أمريكية من القائمة دفعة واحدة بحجم أعمال 159.69 مليار دولار.
وتبقى منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ المنطقة الوحيدة التي تراجع حجم أعمالها بالقيمة المطلقة، من 352.01 إلى 313.56 مليار دولار أي بنسبة 10.9%، فهبطت حصتها من 17.8% إلى 11.3%، ويعود ذلك أساسًا إلى اليابان التي انخفض حجم أعمال تعاونياتها من 308.63 إلى 211.43 مليار دولار بما نسبته 31.5%، غير أن الينِّ فقد نحو 37.5% من قيمته أمام الدولار بين العامين، إذ ارتفع متوسط سعر الدولار من 87.78 إلى 140.50 ينّ وفق بيانات الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وبإعادة التحويل بهذين السعرين يتبين، تقديريًا، أن حجم أعمال التعاونيات اليابانية في القائمة ارتفع بنحو 10% بالينّ، أي أن التراجع الياباني أثر لسعر الصرف في معظمه، وفي المقابل بلغ حجم أعمال بقية دول المنطقة 102.13 مليار دولار في 2023، أكثر من نصفه لجمهورية كوريا والذي بلغ 58.97 مليار دولار.
وجاء الصعود الأسرع من خارج المراكز التقليدية؛ فقد تضاعف حجم أعمال تعاونيات أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي 8.8 مرة، من 10.79 إلى 95.31 مليار دولار، وارتفع عددها في القائمة من 5 إلى 16 تعاونية، وحصتها من 0.55% إلى 3.42%. وتقود البرازيل هذا الصعود بـ75.20 مليار دولار و13 تعاونية في 2023.
وعربيًا، لا يظهر في الجدول طوال فترة الرصد سوى اسم واحد هو الشركة التعاونية للتأمين السعودية (Tawuniya)، المدرجة في المرصد ضمن التعاونيات والمؤسسات التبادلية، والتي تمثل وحدها إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا منذ دخولها القائمة في 2012 بحجم أعمال 1.50 مليار دولار، وصولًا إلى 4.93 مليار دولار في 2023 بنمو 228.7%، وهو نمو لافت لكنه لا يغير شيئًا يذكر في الوزن النسبي للمنطقة، ويتكرر المشهد في شرق أوروبا وآسيا الوسطى، التي اقتصر حضورها في 2023 على تعاونيتين بولنديتين بإجمالي 3.72 مليار دولار أي بنسبة0.13% من إجمالي التعاونيات.
تكشف هذه الأرقام ثلاث حقائق وهي، الأولى أن الاقتصاد التعاوني الكبير ظاهرة غربية في جوهرها، إذ تتركز 84.5% من أعمال أكبر 300 تعاونية في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، وتتزايد حصة أوروبا لا حصة غيرها. والثانية أن التحولات الظاهرة في الخريطة لا تعكس كلها تحولات اقتصادية، فبعضها أثر لسعر الصرف كما في اليابان، وبعضها أثر لتغير تعريفات القياس أو تغطية القائمة كما في فرنسا والولايات المتحدة والبرازيل. والثالثة أن الحضور العربي والأفريقي يكاد يكون منعدمًا، وهو غياب لا يعني بالضرورة غياب النشاط التعاوني، بل قد يعني أن التعاونيات العربية والأفريقية لم تبلغ بعد حجم الدخول إلى القائمة، الذي بلغ 1.49 مليار دولار في 2023، أو أن بياناتها لا تصل إلى المرصد أصلًا.
وعلى مستوى الدول، تتصدر الولايات المتحدة الأمريكية بـ671.20 مليار دولار في 2023 بما نسبته 24.1% من اجمالي حجم اعمال التعاونيات الكبرى عالمياً، تليها فرنسا بـ558.11 مليار دولار والتي تستحوذ علي 20.0%، وألمانيا بـ404.54 مليار دولار بما نسبته14.5%، ثم اليابان بـ211.43 مليار دولار بنسبة 7.6% (الشكل 2).
وقد ارتفعت حصة فرنسا من 16.2% في 2010 إلى 20.0%، بينما هبطت حصة اليابان من 15.6% إلى 7.6%، فتراجع وزن الدول الأربع الكبرى مجتمعة من 70.5% إلى 66.2%. ولا يعني ذلك تراجعًا في أعمالها، إذ نمت بنسبة 32.4%، غير أن بقية الدول نمت بوتيرة أسرع بلغت 61.7%. ويقوم تقدم الولايات المتحدة على كثرة العدد لا على الحجم، فهي تضم 79 تعاونية بمتوسط 8.50 مليار دولار للتعاونية الواحدة، مقابل 41 تعاونية لفرنسا بمتوسط 13.61 مليار دولار، و29 تعاونية لألمانيا بمتوسط 13.95 مليار دولار، وكان الصعود الأبرز خارج الأربعة الكبار للبرازيل، التي قفزت من المرتبة السابعة عشرة إلى الثامنة، أما المملكة المتحدة فتراجعت من المرتبة السابعة إلى الثالثة عشرة بانخفاض 22.1% بالدولار، لكن معظم هذا التراجع أثر لانخفاض الجنيه الإسترليني، إذ لا يتجاوز نحو 3% بالعملة المحلية. (الشكل 2).

وأخيرا تكشف هذه الخريطة أن الثقل التعاوني في العالم ما زال حكرًا تقريبًا على غرب أوروبا وأمريكا الشمالية بنحو 84.5% من أعمال أكبر 300 تعاونية، في حين أثبت صعود أمريكا اللاتينية والهند أن التعاونيات قادرة على النمو خارج مراكزها التقليدية متى توافرت لها البيئة التشريعية والتمويلية الملائمة، ومن ثمّ فإن انتشار التعاونيات عالميًا لم يعد مجرد توسع لنموذج اقتصادي، بل صار أداة لتوزيع الثروة على قاعدة أعرض من الأعضاء، ويبقى الحضور العربي الذي لا يتجاوز 0.18% فرصة كامنة أكثر منه واقعًا، تنتظر تعاونيات قادرة على بلوغ حجم المنافسة الدولية.