كانت الواردات هي الوجه الهادئ للتجارة السعودية بمعامل اختلاف لا يتجاوز 14%، لكنها ترتفع بسهولة مع كل طفرة إنفاق، ولا تنخفض إلا بقرار مؤلم أو صدمة خارجية. وقد تحركت طوال الفترة داخل نطاق 242–381 مليار دولار بنمو مركب 3.84% يعكس في جوهره وتيرة التنمية والسكان لا تقلبات الأسواق، وبشكل عام مرت الواردات السعودية بالمراحل التالية:
المرحلة الأولى – التوسع (2010–2014)، صعدت الواردات من 242.042 إلى 374.310 مليار دولار بنمو تراكمي بلغ 54.6% في أربع سنوات، تركز أعنفه في قفزتي 2011 (+20.5%) و2012 (+19.5%). كان وقود هذا التوسع هو إعادة تدوير عوائد الطفرة النفطية في الداخل، إنفاق حكومي توسعي، وبرامج بنية تحتية وإسكان ضخمة، ودعم سخي للطاقة والسلع، ونمو استهلاكي مدفوع بارتفاع الدخول وتوسع التوظيف. وهكذا ارتفع خط الأساس الاستيرادي للاقتصاد بأكمله إلى مستوى جديد سيثبت لاحقًا أنه عصي على النزول السريع.
المرحلة الثانية – الجمود (2015)، هذه هي السنة الأهم تحليليًا في جانب الواردات رغم أن رقمها يبدو الأقل إثارة، لم تنخفض الواردات سوى -0.5% بقيمة372.332 مليار دولار بينما كانت الصادرات تنهار بنسبة -37.3%. أي أن مرونة الواردات تجاه صدمة الإيرادات كانت شبه صفرية (نحو 0.013 فقط)، إذ واصلت العقود القائمة والمشاريع الجارية والدعم والاستهلاك دفعها بقوة القصور الذاتي. هذا الجمود تحديدًا – لا انهيار الصادرات وحده – هو ما ولّد أكبر عجز تجاري في تاريخ السلسلة بلغ -122.040 مليارًا، فالصدمة الخارجية صنعت نصف الكارثة، وصنع الجمود الداخلي نصفها الآخر.
المرحلة الثالثة – التصحيح (2016–2018)، انكمشت الواردات -18.6% عام 2016 ثم -7.5% عام 2017 ثم -1.0% عام 2018 إلى قاع محلي عند 277.383 مليار دولار، بتراجع تراكمي بلغ 25.9% عن ذروة 2014. تولّت ذلك حزمة أدوات متدرجة، ترشيد الإنفاق الرأسمالي وتأجيل مشاريع، وإصلاح أسعار الطاقة والمياه، ورسوم العمالة الوافدة والمرافقين، وتتويجًا بإقرار ضريبة القيمة المضافة مطلع 2018. والدلالة البنيوية لهذه المرحلة ثمينة، الواردات السعودية قابلة للضغط فعلًا، لكنها لا تنضغط تلقائيًا بآلية السوق، بل بقرار سياساتي واعٍ يتحمل كلفته.
المرحلة الرابعة – التذبذب (2019–2020)، عاودت الواردات الارتفاع بنسبة +10.1% عام 2019 (305.525 مليارًا) مع استئناف الإنفاق على مشاريع رؤية 2030 وتخفيف إجراءات التقشف – في توقيت غير موفق تزامن مع انتكاسة الصادرات – ثم انكمشت -8.9% عام 2020 (278.209 مليارًا) تحت وطأة الجائحة وإغلاقات سلاسل الإمداد وتوقف الأنشطة غير الضرورية. وهكذا احتاج خفض الواردات مجددًا إلى صدمة خارجية.
المرحلة الخامسة – الذروة (2021–2022)، قفزت الواردات +12.9% عام 2021 ثم +21.3% عام 2022 إلى ذروتها التاريخية عند 381.014 مليار دولار. وقد اجتمع محركان، الأول يتمثل في استمرار المشاريع التي تحتاج الى آلات ومعدات وتقنية ومواد، والثاني سعري يتمثل في موجة التضخم العالمي في السلع والغذاء وأجور الشحن بعد الجائحة والحرب الروسية الأوكرانية. ولذا ينبغي قراءة قمة 2022 بحذر، لأن جزء منها تضخم مستورد وليس زيادة في الحجم، ما يعني أن الفاتورة قابلة للانحسار الجزئي مع تطبيع الأسعار العالمية.
حركة الواردات على مستوى القطاعات
بلغت القيمة التراكمية لواردات المنتجات الزراعية والمواد الغذائية معًا نحو 580.640 مليار دولار، بما يعادل 14.0% من إجمالي الواردات. وقد سجل كلا البندين أعلى قيمة له خلال فترة الدراسة في عام 2022، بالتزامن مع ارتفاع مستويات أسعار الغذاء عالميًا، في حين بلغت واردات الأدوية ذروتها أيضًا في العام نفسه عند نحو 7.387 مليار دولار. ويشير تزامن هذه القمم إلى تزايد أهمية الواردات المرتبطة بالاحتياجات الأساسية، ولا سيما الغذاء والدواء، ضمن هيكل الواردات. كما أن طبيعة الطلب على هذه السلع، التي تتسم بارتفاع درجة الضرورة ومحدودية قابلية الاستغناء عنها على المدى القصير، تحد من إمكانية خفضها عبر سياسات ترشيد الواردات التقليدية، الأمر الذي يعزز أهمية تطوير القدرات الإنتاجية المحلية، وتوسيع الاستثمار الزراعي، وتنويع مصادر الإمداد الخارجي بوصفها أدوات لتعزيز الأمن الغذائي والدوائي وتقليل التعرض لتقلبات الأسواق الدولية.
واستحوذ ثالوث المصنوعات والآلات ومعدات النقل ومعدات النقل على نحو 60% من إجمالي الواردات والبالغة 2,477.497 مليار دولار مجتمعة، وهي في معظمها سلع رأسمالية ووسيطة تُغذي البناء والتجهيز والتقنية والتشغيل. وتضاف إليها كتلة الأمن الغذائي الزراعية والغذاء بنسبة 14.0% معًا. بهذا المعنى، فالاستيراد السعودي ليس نزيفًا استهلاكيًا بقدر ما هو الثمن المدفوع سلفًا لبناء الاقتصاد الجديد، والسؤال الاستراتيجي ليس كيف يتم تخفيض الواردات، بل كيف تتحوّل وارداتِ اليوم الرأسمالية إلى صادراتِ الغد الإنتاجية.
وانقسم توقيت القمم القطاعية إلى جيلين، جيل منتصف العقد 7 قطاعات بلغ ذروته مع ذروة الإنفاق الرأسمالي الأول وهي المصنوعات في 2014، والآلات ومعدات النقل، ومعدات النقل، ومنتجات السيارات، ومعدات المكاتب والاتصالات، ومعدات الاتصالات كلها في 2015، والحديد والصلب في 2012، وجيل نهاية الفترة 9 قطاعات بلغ ذروته عام 2022 وهي الزراعية، والغذاء، والكيميائيات، وواردات الوقود والتعدين، والأدوية، والملابس، ومعالجة البيانات، والمنسوجات، والدوائر المتكاملة. الدلالة العميقة، مركز ثقل الطلب الاستيرادي انتقل من واردات البناء والتشييد التي روّضها التقشف، إلى واردات السكان والأمن والتقنية التي لا تعرف التراجع.
وتصدر قائمة النمو الاستيرادي أربعة قطاعات ذات حساسية استراتيجية، الدوائر المتكاملة والمكونات الإلكترونية بمعدل 11.23% متأثرة بالتحول الرقمي والمدن الذكية، وواردات قطاع الوقود ومنتجات التعدين نفسه بمعدل 9.87% متمثلة في منتجات مكررة ومدخلات تشغيل – ومن المفارقات أن بطل الفائض هو صاحب أسرع فاتورة استيراد نموًا بين القطاعات الكبيرة، والأدوية بمعدل 7.20% حيث تتضخم فاتورة أمن دوائي مع السكان والإنفاق الصحي، والمواد الكيميائية بمعدل 6.81% متمثلة في مدخلات متخصصة لا تنتج محليًا بعد، تليها الملابس بمعدل 6.00% كأسرع بند استهلاكي صرف. هذه المعدلات، إذا استمرت، تعيد رسم خريطة العجز القطاعي خلال عقد واحد.
في المقابل، نمت واردات الحديد والصلب بمعدل 1.62% فقط – وهو أنجح نموذج إحلال محلي في الجدول إذ تراجعت وارداته من ذروة 11.409 مليارًا عام 2012 إلى نطاق النصف تقريبًا لاحقًا – تليه معالجة البيانات (1.83%) ومنتجات السيارات (1.95%) والمنسوجات (2.21%)، ثم الآلات ومعدات النقل (2.91%) ومعدات النقل (2.94%) اللذان تباطأ نموهما رغم عقد المشاريع الكبرى بفضل سياسات المحتوى المحلي وترشيد الإنفاق. هذا التباطؤ الانتقائي دليل على أن أدوات السياسة التجارية والصناعية بدأت تعمل حيث وُجهت.
الرئيسية نشرة رقم عدد يوليو 2026

