خلال 13 عاماً: تذبذب حادّ بارتفاع قياسي 1189% في 2012 وهبوط حادّ 97% في 2020

خلال فترة الرصد الممتدة من 2011 الي 2023، لم تستقر ظاهرة الفقر متعدد الابعاد عالمياً على حال واحد أو شهد درجة ملحوظة من الاستقرار، بل كان المشهد الغالب عليها هو التأرجح بين الجموح وتسجيل زيادات قياسية، والتقهقر وتسجيل حالات هبوط وتراجع حادة، وبصورة عامة، كشف تحليل التطور السنوي للظاهرة في ضوء بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن النمط الغالب هو عدم وجود نمط أو وتيرة واحدة لحالات الفقر المتعددة، أي أنه لا يمكن رؤية انخفاض أو إرتفاع مستمر أو حتى متذبذب من أول الفترة الى أخرها، ما يعني أن عنصر المفاجأة هو السائد، فالارتفاع حاد في عدد مرات ظهور حالات الفقر ويظهر جلياً بالأعوام 2021 و2014 و2012 بلغ 1189%، و340%، و131% على التوالي، وهي الأعوام التي تسبق أو تلحق السنوات الثلاث فقط التي شهدت هبوط حاد وهي 2020، 2023 و2013 بلغ 97%، و75%، و70% على التوالي. والاستثناء كان الهدوء النسبي الذي رافق الارتفاع ما بين الأعوام 2015 و2017. وعلى النقيض تأثر عدد مرات ظهور حالات أبعاد الفقر المختلفة- المتمثلة في التعليم، والصحة، ومستوى المعيشة- بنفس العوامل بنفس الدرجة، أى أنها ترتفع وتنخفض مجتمعة كل سنة بنفس النمط. مما أستدعى معرفة سبب الانحرافات الشديدة في أنماط أبعاد الفقر على مر السنين.
فطن العالم إلى أن الفقر المادي أو المالي ليس مقياساً وحيداً لفقر سكانه من عدمه، وأنه يوجد 3 معايير حياتية أخرى أشمل تحدد مدى الفقر الحقيقي – غير خط الفقر المُدقع المقرر من البنك الدولي والبالغ 2.15$ للفرد يومياً-، وهي الصحة التي تتضمن التغذية ووفيات الأطفال، والتعليم، وخدمات البنية الأساسية الحيوية من ماء وصرف صحي وكهرباء ووقود وسكن، ومن خلال تتبع هذه المقاييس من العام 2011 الى 2023، تظهر البيانات إتجاهان:
الأول على مستوى السنوات، حيث ينعكس عدد الدول التي تظهر بكل سنة في كل بٌعد من الأبعاد العشر على نسبة التغير في عدد مرات ظهور الحالات من سنة الى اخرى، فالعام الذي يزيد به عدد الدول التي تظهر بدورها في أكبر عدد من الأبعاد، ترتفع معه نسبة التغير في الحالات من عام الى آخر، والعكس صحيح. وقد تربع عام 2019 على قائمة إجمالي عدد حالات الفقر التي ظهرت خلال الفترة وهي 1329 حالة، وسجل وحده 286 حالة أى بنسبة 22%، كما شهد أكبر عدد من الدول (29 دولة)، تلاه عام 2018 بعدد 197 حالة وبنسبة 15%، و20 دولة. ويُعتبر عام 2022 أكثر الأعوام تسجيلاً لحالات خلال آخر 5 سنوات ومنذ 2019- بلغت 155 حالة بنسبة 12% من الإجمالي في 17 دولة، وهو نفسه العام الذي تعرض فيه السكان للعديد من النزاعات العنيفة. أما باقي الأعوام التي شهدت ارتفاع فتراوحت ما بين 9% عامي 2017 و2021 وسجلا 118 و116 حالة على التوالي، بعدد 12 دولة لكلٍ منهما. و7% عامي 2015 و2014، و5% عام 2012، وأخيراً 2% عام 2011 بعدد 29 حالة و3 دول.
أما النمط الآخر فإنه الإنخفاض الحاد المتمثل بوضوح في ثلاث أعوام فقط هي 2020، 2013 و2023 بنسب 1%، و2%، و3% على التوالي من الإجمالي. وقد سجل عام 2020 أقل حالات على مستوى الفترة (9 حالات، ودولة واحدة فقط هي فيتنام، والأهم إنه لحق مباشرة أعلى إرتفاع على مستوى الفترة (عام 2019)، بينما سجل عام 2013 عدد 20 حالة في دولتين هما اليمن وناميبيا، و2023 بلغت 38 حالة في أفغانستان واليمن وتونس وموزمبيق.
والاتجاه الثاني على مستوى مسار الأبعاد خلال السنوات، وقد أتضح أنه لا مجال حقيقي للمقارنة بين إجمالي عدد حالات الأبعاد المختلفة للفقر فيما بينها، نظراً لأن عدد الحالات بكل بُعد في نفس العام يسير بنفس الوتيرة، وإن لم تكن متطابقة فهي متشابهة لدرجة ان الفارق لا يُذكر، والتطابق جاء بواقع 5 أبعاد من 10، في حين تراوح التقارب ما بين حالة و4 حالات فقط. وفي المجمل لم تزد إجمالي حالات الفقر لكل بُعد عن 136 حالة، ولم تقِل عن 125 حالة. وإذا استعرضناهم بالترتيب التنازلي، تأتي سنوات الدراسة من التعليم، والأصول والصرف الصحي، والكهرباء، ومياه الشرب من مستوى المعيشة بنفس عدد الحالات وهو 136 حالة. يليهم الحضور المدرسي من التعليم وهو الأكثر قرباً لهم 135 حالة، وعلى مسافة ليست ببعيدة السكن 133 حالة. ثم وفيات الأطفال من الصحة 129 حالة، ووقود الطبخ من مستوى المعيشة 127 حالة، وأخيراً التغذية من الصحة 125 حالة. والفارق بين إجماليات أعلى وأقل عدد هو 8 حالات فقط. ومع ذلك فإن التعليم والصحة متلازمان، وكلاهما يحتوي على مؤشرين لكلً منهما، في حين تتفاوت حالات مستوى المعيشة، نظراً لأن البُعد الأخير يجمع 6 مؤشرات.
وهذا التناغم والترابط بين الأبعاد بعضها ببعض يرجع الى تأثرها بالأزمات الداخلية والخارجية على حدٍ سواء خاصةً في الدول الهشة التي تعاني من مشاكل داخلية اجتماعية وسياسية واقتصادية. وعلى سبيل المثال، نذكر الأزمة المالية التي ضربت العالم عام 2008 وخلفت آثاراً طويلة الأمد على العمالة والدخل والخدمات الاجتماعية في العديد من الدول، وظل الاقتصاد العالمي لسنوات بعدها يتعافى من الأزمة المالية. ناهينا عن عدم الاستقرار السياسي نتيجة الصراعات والاضطرابات السياسية الحروب التي يتبعها نزوح وتشرد السكان وتردي أوضاعهم الإنسانية. أما المشاكل الصحية فهي العامل الثالث من المسببات التي أثرت عالمياً مثل جائحة إنفلونزا H1N1 عام 2012، وكوفيد-19 عام 2020، وتسببا في زيادة تكاليف الرعاية الصحية وضعف مستواها، بالإضافة الى توقف الحياة تقريباً على المستوى الاقتصادى عام 2021 مما خلف عدد كبير من العاطلين عن العمل، وتردي أوضاع الحياة بأكملها. والعامل الرابع هى الكوارث الطبيعية، مثل الفيضانات والزلازل والجفاف، والتي أدت إلى نزوح السكان وتدمير المنازل وتعطيل سبل العيش.
وأخيراً، بالرغم من حداثة مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد نسبياً ومحاولته لتغطية أكبر عدد من الدول سنوياً، إلا أن البيانات قد لا تكون مُكتمِلة لتعذر الحصول علىها من بعض الدول بغرض تحديثها، لعدم وجود نظام احصائي دقيق بها. لكن يظل المؤشر مُكمل جوهري لمقاييس الفقر النقدي، بل ومُعبر بصورة أكثر وضوحاً عن مدى الحرمان والفقر متعدد الأبعاد الذي يعيشه حوالي 20% من سكان العالم.