ركود مزمن في مؤشر الإنفاق الصحي عالمياً في 25 عاماً 6 دول فقط خرجت من فئة المخاطر المرتفعة

تشير بيانات مؤشر الإنفاق الصحي الحالي للفرد للفترة بين عامي 2000 و2025 إلى ركود مزمن في مستوى الإنفاق الصحي العالمي، وتظهر أهمية هذا المؤشر في أنه يتجاوز دوره مجرد رصد حجم الإنفاق، ليعكس قدرة الدولة على الصمود الصحي أمام الصدمات الكبرى، بما في ذلك الأوبئة والنزاعات المسلحة والتغير المناخي والتلوث، وغيرها، ووفق ما جاء في تقرير المخاطر العالمية الصادر عن معهد القانون الدولي للسللام والنزاعات االمسلحة يمكن تصنيف الدول إلى فئات ثلاث: مخاطر مرتفعة، متوسطة، ومنخفضة، حيث تشير الدرجة الأعلى إلى قدرة أفضل للنظام الصحي على مواجهة الصدمات (مخاطر أقل)، والعكس صحيح. وبالتالي، يتيح المؤشر تمييز الدول الأكثر هشاشة من الدول الأكثر صلابة صحياً.
وتشير البيانات إلى تراجع عدد الدول المصنفة ضمن فئة المخاطر المرتفعة من 50 دولة عام 2000 إلى 44 دولة عام 2025، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في مستويات الإنفاق الصحي لدى بعض الدول، وإن كان هذا التحسن محدود النطاق، وفي المقابل، ارتفع عدد الدول الواقعة ضمن فئة المخاطر المتوسطة من 113 دولة إلى 117 دولة، بما يدل على انتقال عدد من الدول من وضع المخاطر المرتفعة إلى المتوسطة دون أن تتمكن من بلوغ مستوى الأمان الصحي المنخفض المخاطر، كما يُسجَّل ارتفاع طفيف في عدد الدول منخفضة المخاطر من 30 إلى 32 دولة، وهو ما يعكس بطء توسع هذه الفئة رغم مرور خمسة وعشرين عامًا.
وتكشف هذه الأرقام مجتمعة أن التحسن في الإنفاق الصحي العالمي لم يؤدِ إلى تقليص جذري في فجوة المخاطر، بل أسهم في إعادة توزيع الدول داخل الفئات المتوسطة، مع استمرار محدودية عدد الدول القادرة على تحقيق مستويات منخفضة من المخاطر الصحية، الأمر الذي يؤكد الطبيعة الهيكلية والعميقة لاختلالات الإنفاق الصحي عالميًا، كما هو موضح بالرسم البياني (تطور لعدد الدول وفق مستويات المخاطر المرتبطة بمؤشر الإنفاق الصحي الحالي للفرد خلال الفترة الممتدة بين عامي 2000 و2025).

تُبرز البيانات الجغرافية اختلافات كبيرة بين مناطق العالم في مستويات المخاطر الصحية، حيث تتركز أغلب الدول ذات المخاطر المرتفعة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب شرق آسيا، إذ تشير بيانات الإنفاق الصحي الحالي للفرد لعام 2000 إلى هشاشة أنظمة الرعاية الصحية فيها، حيث تصنف جميعها ضمن فئة المخاطر المرتفعة، فقد سجلت إندونيسيا ولاوس وفيتنام أعلى درجة ضمن المجموعة، إذ بلغت 100 درجة لكل منها، مما يعكس محدودية الموارد الفردية المتاحة للصحة العامة وضعف قدرة هذه الدول على مواجهة الصدمات الصحية. بينما سجلت كمبوديا وأوغندا 92.7 درجة، مما يشير إلى هشاشة مشابهة لكنها أقل قليلًا نسبيًا، فيما بلغت درجة بوروندي وغينيا 89.37، وبلغت بوركينا فاسو وجمهورية إفريقيا الوسطى 85.79، ما يعكس تفاوتًا محدودًا في مستويات المخاطر بين هذه الدول الأفريقية. هذه الدرجات المرتفعة تعكس أن جميع هذه الدول كانت في بداية الألفية غير قادرة على تحقيق مستويات أمان صحي فردي كافية، مما يجعلها معرضة بشكل كبير للأزمات الصحية والأوبئة والنزاعات، ويؤكد الحاجة إلى تعزيز الإنفاق الصحي الفردي لضمان صمود النظم الصحية وتحسين جودة الرعاية المقدمة للسكان، وتشير بيانات الإنفاق الصحي الحالي للفرد لعام 2025 إلى استمرار هشاشة بعض أنظمة الرعاية الصحية حول العالم، حيث دخلت مجموعة أخرى من الدول ضمن فئة المخاطر المرتفعة، لاسيما إيران وجمهورية الصومال اللتان سجلتا أعلى درجة ضمن المجموعة، إذ بلغت 100 درجة لكل منهما، ما يدل على ضعف حاد في الموارد الفردية للصحة العامة، واستمرار تعرض هذه الدول لمخاطر صحية مرتفعة، وتليهما لاوس ومدغشقر بدرجة 92.4، أما غينيا، فقد سجلت 89.29، بينما سجل كل من بوروندي، جمهورية الكونغو الديمقراطية، إندونيسيا، لبنان، وفيتنام 85.08 درجة، هذه البيانات تؤكد أن معظم هذه الدول لم تحقق تحسنًا جوهريًا في الإنفاق الصحي الفردي على مدى 25 عامًا، إذ بقيت الفجوة بين الدول مرتفعة المخاطر والدول منخفضة المخاطر قائمة، وهو ما يستدعي التساؤل عن كيفية تعزيز التمويل الصحي الفردي وتحسين صمود النظم الصحية، خصوصًا في الدول الأفريقية وآسيا جنوب شرقي، حيث تتركز معظم هذه الحالات.
في المقابل، تُظهر الدول الأوروبية، وأمريكا الشمالية، وبعض الدولة الأخرى ذات الدخل المرتفع قدرة عالية على الصمود الصحي، مع درجات منخفضة من المخاطر الصحية، ففي عام 2025 سجلت موناكو أدنى درجة ضمن هذه المجموعة (0.01)، وهو مؤشر على أفضل مستويات الأمان الصحي، إذ توفر الدولة تغطية شاملة وخدمات صحية متقدمة لكل فرد، تليها الولايات المتحدة الأمريكية بدرجة 7.02، وسويسرا 10.6، ما يدل على قوة كبيرة في صمود النظام الصحي رغم حجم السكان الكبير في حالة الولايات المتحدة، ولم يختلف الوضع كثيرا في الدول الأوروبية مثل أيرلندا (13.09)، ألمانيا (15.04)، لوكسمبورغ (16.65)، النمسا (18.03)، هولندا (19.25)، المملكة المتحدة (20.34)، وبلجيكا (21.33) التي تُظهر مستويات متفاوتة لكنها جميعها ضمن نطاق منخفض المخاطر، مما يعكس توزيعًا متدرجًا للموارد الصحية الفردية بين هذه الدول.
وتشير بيانات عام 2000 للدول المصنفة ضمن فئة المخاطر المنخفضة إلى أن الوضع الصحي العالمي كان مشابهًا إلى حد كبير لما هو عليه في 2025 من حيث توزيع الدول منخفضة المخاطر، مع بعض الفروق الطفيفة في ترتيب الدرجات وامتداد الفجوة الصحية، فقد سجلت موناكو أدنى درجة (0.01) كما هو الحال في 2025، وهو دليل على استمرارية استقرار النظام الصحي في هذه الدولة الصغيرة، أما الولايات المتحدة الأمريكية فكانت درجتها 7.21 مقابل 7.02 في 2025، ما يعكس استقرارًا نسبيًا للقدرة الصحية للفرد على مدار ربع قرن، مع تحسن طفيف يشير إلى زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية الفردية.
دول أخرى مثل بيلاروس (10.89)، الكويت (13.45)، البحرين (15.45)، لوكسمبورغ (17.11)، المملكة المتحدة (18.53)، سان مارينو (19.78)، عمان (20.9)، وألمانيا (21.92) كانت جميعها ضمن نطاق منخفض المخاطر، مع فروق طفيفة في الدرجات مقارنة بعام 2025، ويظهر هذا أن الدول منخفضة المخاطر حافظت على مكانتها بمرور الوقت، مع بعض التحسينات الطفيفة في الدرجات التي تعكس زيادة الإنفاق الصحي أو تحسين جودة الخدمات.
ولعلّ تقليص عدد الدول مرتفعة المخاطر في مؤشر الإنفاق الصحي للفرد، يعتمد بشكل كبير على زيادة التمويل الصحي الفردي وتحسين إدارة الموارد الصحية، كما أنه يمتد إلى تطوير البنية التحتية الصحية وتعزيز الكوادر البشرية من أطباء وممرضين وفنيين مؤهلين لمواجهة الصدمات والأوبئة بفعالية. إلى جانب ذلك، ضرورة التركيز على برامج الوقاية والتثقيف الصحي للسكان، وأخيرا تطبيق هذه الإجراءات بشكل متكامل يتيح للدول الانتقال تدريجياً من فئة المخاطر المرتفعة إلى الفئات المتوسطة والمنخفضة، مع تعزيز صمودها الصحي واستدامة الخدمات المقدمة للمواطنين.