خلال الفترة من 2010 الي 2022 ـــ أي في 13 عاما ــ صدَّرت الدول العربية للعالم ادوية قيمتها حوالي 35.5 مليار دولار أمريكي، تحقق 85% منها من اربع دولة فقط، هي الإمارات والأردن والسعودية ومصر على التوالي، ووفقاً للإحصاءات المسجلة في قاعدة بيانات منظمة التجارة العالمية، فإن صادرات الأدوية بباقي الدول العربية هشة إلي حد كبير وتكاد تنعدم في البعض منها، كما هو الحال في اليمن وليبيا والسودان، فيما يبرز قطاع الدواء في الأردن باعتباره الأكثر نضجا بين نظرائه في بقية الدول، حتي بين القطاعات التي تفوقه حجما، لكونه استطاع ان يرسي قاعدة إنتاجية، تمكنت من طرح أدوية وعلامات تجارية تغلغلت في الأسواق العالمية، وأثبتت جدارة وكفاءة واضحة للدواء الأردني.
عند النظر إجمالاً إلي مسيرة صادرات الأدوية العربية خلال الفترة المشار إليها، نجد ان قيمة الصادرات اتسمت بمسار تصاعدي عام، حيث انطلق إجمالي الصادرات من حوالي 1.58 مليار دولار في 2010 ليصل إلى ذروته التاريخية فوق 4 مليارات دولار في 2021 قبل أن يستقر عند 3.8 مليار في 2022. هذا النمو لم يكن خطياً، بل تأثر بهزات إقليمية كفترة الربيع العربي، التي أثرت على مراكز تصنيع كبرى كالأردن ومصر وسوريا، ثم تلتها مرحلة التعافي وبناء المراكز اللوجستية في الخليج.
بلغت الصادرات ذروتها القصوى في العام 2021، حيث بلغت القيم الإجمالية أعلى مستوياتها مدفوعة بأداء استثنائي لدولة الإمارات قدر بنحو 2.35 مليار دولار صادرات، وقد تحقق هذا الرقم كنتيجة مباشرة لجائحة كوفيد-19؛ حيث تحولت المنطقة، والإمارات تحديداً، إلى مركز توزيع إقليمي وعالمي للقاحات والمستلزمات الطبية. كما شهد هذا العام تعافي سلاسل الإمداد العالمية وزيادة الطلب على الأدوية الأساسية والمضادات الحيوية.
في المقابل شكل عام 2011 نقطة القاع أو أقل مستوي صادرات خلال الـ 13 سنة، حيث تراجعت صادرات الأردن من 688 إلى 584 مليون، ومصر من 250 إلى 248 مليون، يفسر هذا التراجع بالاضطرابات السياسية والأمنية التي اجتاحت المنطقة العربية فيما عرف بـ “الربيع العربي”. هذه الاضطرابات أدت إلى توقف جزئي للمصانع، تعطل طرق التجارة البرية، خاصة بين الأردن وسوريا والعراق، وهروب بعض الاستثمارات. كما أن سنة 2011 كانت لا تزال تعاني من ذيول أزمة الديون الأوروبية التي أثرت على الطلب العالمي.
تشير كل من نقطة القمة ونقطة القاع إلي أن قطاع الأدوية العربي ليس راسخا ناضجا قويا بما يكفي، بل هو حساس لحالة الاستقرار السياسي وتقلبات السوق الدولية، فالدواء يحتاج إلى سلاسل إمداد آمنة وتدفقات مالية مستقرة، وهو ما افتقدته المنطقة في ذلك العام 2011، في حين حدث أداء مختلف في العام 2021، حيث قفزت صادرات الدول الأربع الكبرى نتيجة الظروف اللاحقة علي جائحة كورونا، لتقدم دليلا علي أن القطاع قادر على الاستجابة للأزمات الصحية العالمية، وتحويل التحدي إلى فرصة تصديرية كبرى، خاصة مع زيادة الاستثمار في تقنيات التخزين البارد والتوزيع السريع.
وعند تقسيم الدول العربية بحسب مستويات الصادرات الدوائية لكل منها خلال الفترة المشار إليها، نجد أن مستوى الصادرات المرتفعة يضم أربع دول وهي: الإمارات العربية المتحدة، الأردن، المملكة العربية السعودية، ومصر، والتي حققت مجتمعة 30.834 مليار دولار، بما يعادل أكثر من 85% من قيمة إجمالي الصادرات العربية خلال الفترة المذكورة، فصادرات الإمارات انتقلت من 0.16 مليار دولار في 2010 إلى نحو 1.97 مليار في 2022، مما يمثل تحولاً جذرياً مدفوعاً بقطاع الخدمات اللوجستية في دبي وأبوظبي أما الأردن، فأثبت كفاءة إنتاجية عالية بإنتاج مستقر يقارب 0.64 مليار دولار في 2022، معتمداً على جودة الدواء المعتمد دولياً. والسعودية زادت صادراتها من 0.23 مليار في 2010 إلى 0.50 مليار في 2022 نتيجة رؤية 2030 لتوطين الصناعة. أما مصر، فحافظت على زخم تصديري يدور حول 0.3 مليار دولار، مع تذبذبات طفيفة تعكس الضغوط المحلية وتغير أسعار الصرف.
وفي مستوى الصادرات المتوسطة، توجد خمس دول وهي: المغرب، سلطنة عمان، تونس، لبنان، والكويت، حققت مجتمعة 4.142 مليار دولار خلال الـ 13 عاما، فالمغرب ارتفعت صادراته من 0.07 مليار في 2010 إلى 0.14 مليار في 2022. بعد تنفيذ استراتيجية طموحة تهدف لجعله قطباً دوائياً لأفريقيا، وسجلت صادرات سلطنة عمان قفزة ملحوظة من 0.03 مليار في بداية الفترة إلى 0.10 مليار في نهايتها، مما يعكس نجاح المناطق الحرة والمصانع الجديدة، واظهرت تونس، بدورها، نمواً ثابتاً لتصل إلى 0.10 مليار دولار في 2022، معتمدة على كفاءات بشرية متميزة، فيما مثلت لبنان والكويت حالة من الاستقرار المائل للتراجع الطفيف أو النمو البطيء؛ فلبنان تأثر بالأزمات الاقتصادية التي حدت من قدرة مصانعه على استيراد المواد الخام للتصنيع التصديري، وتراجعت صادرات الكويت من 0.03 مليار في 2010 إلى 0.008 مليار في 2022، مما يشير إلى تحول في الأولويات الصناعية أو اللوجستية. هذا المستوى يحتاج إلى حوافز استثمارية لكسر سقف التوقعات والانتقال للمستوى المرتفع.
في مستوى الصادرات المنخفض جاءت عشر دول هي سوريا، قطر، البحرين، الجزائر، اليمن، السودان، جزر القمر، موريتانيا، ليبيا، والعراق، حققت مجتمعة 0.324 مليار دولار، وهي مجموعة تعاني من تباين في الأسباب؛ فمنها دول غنية مثل قطر والبحرين لكنها في مرحلة التأسيس للصناعة الدوائية (قطر بدأت تنمو لتصل 0.02 مليار في 2022)، ومنها دول تعاني من ويلات الحروب التي دمرت بنيتها التحتية مثل سوريا، التي كانت رائدة في الصناعة الدوائية عربياً لكن صادراتها المسجلة تلاشت تقريباً في البيانات المتأخرة. أما الجزائر، فرغم ضخامة سوقها واستهلاكها، إلا أن إجمالى صادراتها يقدر بـ 37 مليون دولار فقط طوال 13 عاماً، مما يعني أن الإنتاج المحلي يوجه بالكامل للداخل مع استمرار الاعتماد الكثيف على الاستيراد. السودان واليمن يسجلان أرقاماً رمزية لا تكاد تذكر، وليبيا والعراق وجزر القمر وموريتانيا، فصادراتها تكاد تكون صفراً.
والخلاصة، يمكن القول إن صادرات الأدوية العربية مرتكزة علي قمة محدودة من الدول، حيث تقود 4 دول فقط قاطرة النمو، الأمر الذي يعني أن المنطقة العربية ستظل في حالة استيرادية مرتفعة، خاصة مع زيادة الأمراض المزمنة في المنطقة، وإن كانت الصادرات مرشحة للارتفاع في السعودية ومصر بسبب المصانع الجديدة للأدوية الحيوية.
الرئيسية نشرة رقم عدد فبراير 2026

