فجوات القبول الاجتماعي في 5 سِمات رئيسية للتمييز

تُعد فجوات القبول الاجتماعي مؤشرًا دالًا على مستوى تحقق العدالة والمساواة داخل المجتمعات، إذ تعكس الفروق في أنماط الاستجابة الإيجابية أو السلبية تجاه الفئات المختلفة تبعًا لسماتها الاجتماعية أو الثقافية أو غيرها من الخصائص المؤثرة في مكانة الفرد داخل المجتمع، وتتمثل السمات الرئيسية للتمييز التي يتناولها هذا المقال في العرق والأصل القومي، والدين، والعمر، والحالة الاجتماعية، والخدمة العسكرية أو الانتماء، وتكشف البيانات أن الفجوات المرتبطة بهذه السمات لا تسير وفق نمط واحد ثابت، بل تتباين في شدتها واتساعها تبعًا لاختلاف المنطقة الجغرافية، الأمر الذي يعكس الطبيعة المركبة والمتغيرة لظاهرة التمييز الاجتماعي في المجتمعات المعاصرة.

أولى هذه السمات هي سمة العرق والأصل القومي والتي تُعد من أبرز السمات التي ترتبط بالتمييز الاجتماعي، نظرًا لما تحمله من دلالات تاريخية وثقافية قد تؤثر في نظرة المجتمع إلى الأفراد والجماعات، وتشير البيانات إلى وجود فجوات متفاوتة في القبول الاجتماعي المرتبط بهذه السمة عبر عدد من المناطق، فقد سجلت أستراليا ونيوزيلندا فجوة مقدارها 0.1، حيث بلغ متوسط الاستجابة الإيجابية للفئات الأقل تعرضًا للتمييز 0.3 مقابل 0.2 للفئات الأكثر تعرضًا، كما ظهرت فجوة مماثلة في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا، حيث بلغت القيم 0.2 مقابل 0.1، و0.4 مقابل 0.3 على التوالي.
وتبرز جنوب شرق آسيا بوصفها الحالة الأكثر وضوحًا في هذا النوع من التمييز، إذ سجلت فجوة بلغت 0.2، حيث بلغ متوسط الاستجابة الإيجابية للفئات الأقل تعرضًا للتمييز 0.2 مقابل 0.0 للفئات الأكثر تعرضًا، وهو ما يعكس مستوى منخفضًا من القبول الاجتماعي تجاه الفئات المرتبطة بأصول قومية أو عرقية مختلفة، كما سجلت شرق أوروبا وشمال أوروبا فجوات أقل حدة تراوحت بين 0.1 و0.1، وهو ما يدل على استمرار التمييز بدرجة أخف وطأة في هذه المناطق.
أما بخصوص سِمة الدين، فهو يمثل أحد أهم الأبعاد الثقافية والاجتماعية التي قد تؤثر في مستويات القبول أو الرفض الاجتماعي، خاصة في المجتمعات التي تتسم بتنوع ديني أو ثقافي، وتُظهر البيانات أن الفجوات المرتبطة بالدين تتباين بشكل ملحوظ بين المناطق، فقد سجلت شمال أوروبا أعلى فجوة بلغت 0.2، حيث كان متوسط الاستجابة الإيجابية للفئات الأقل تعرضًا للتمييز 0.4 مقابل 0.2 للفئات الأكثر تعرضًا.
كما سجلت جنوب أوروبا فجوة مقدارها 0.1، حيث بلغت القيم 0.3 مقابل 0.2، وكذلك في أمريكا الشمالية وغرب أوروبا حيث بلغت الفجوة 0.1 في كل منهما، وفي المقابل، لم تُسجل فجوة في شرق أوروبا، حيث تساوت القيم عند 0.4 مقابل 0.4، وكذلك في جنوب آسيا عند 0.1 مقابل 0.1، وهو ما يعكس حالة من التوازن النسبي في مستوى القبول الاجتماعي المرتبط بالدين في هذه المناطق.
أما السمة الثالثة وهي سِمة العمر، إذ قد يتعرض الأفراد الأكبر سنًا أو الأصغر سنًا إلى أنماط من التفضيل أو الإقصاء غير المباشر، وتوضح البيانات أن الفجوات المرتبطة بالعمر جاءت في معظمها محدودة، لكنها ظلت حاضرة في بعض المناطق الأوروبية، ففي جنوب أوروبا بلغ متوسط الاستجابة الإيجابية للفئات الأقل تعرضًا للتمييز 0.1 مقابل 0.0 للفئات الأكثر تعرضًا، بفارق 0.1، كما سجلت شمال أوروبا وغرب أوروبا فجوة مماثلة بلغت 0.2 مقابل 0.1 في كل منهما، أما في أمريكا الشمالية فقد تساوت القيم عند 0.1 مقابل 0.1، ما يدل على غياب فجوة واضحة في هذا البعد، وبوجه عام، تشير هذه النتائج إلى أن التمييز المرتبط بالعمر قد لا يكون واسع النطاق، لكنه يظل قائمًا بدرجة محدودة.
أما السِمة الرابعة هي سمة الحالة الاجتماعية، وتشير الحالة الاجتماعية إلى الوضع الأسري أو الاجتماعي للفرد، مثل الزواج أو العزوبية أو الانفصال، وهي سمة قد تؤثر في تقييم الأفراد داخل المجتمع أو في سوق العمل على وجه الخصوص، وتُظهر البيانات أن الفجوات المرتبطة بهذه السمة جاءت في المجمل منخفضة، لكنها لم تختفِ تمامًا، ففي غرب أوروبا بلغ متوسط الاستجابة الإيجابية للفئات الأقل تعرضًا للتمييز 0.3 مقابل 0.2 للفئات الأكثر تعرضًا، بفارق 0.1، وهو ما يشير إلى وجود تحيز طفيف مرتبط بالحالة الاجتماعية، وفي المقابل، لم تُسجل فجوة في أمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي أو شرق آسيا، حيث تساوت القيم عند 0.1 مقابل 0.1، ما يعكس حالة من التوازن النسبي في القبول الاجتماعي المرتبط بهذه السمة.
أما السِمة الخامسة والأخيرة، هي سِمة الخدمة العسكرية أو الانتماء، وهي ترتبط بالمشاركة في مؤسسات الدولة، وقد تؤثر في بعض الحالات في مستوى القبول الاجتماعي أو التقدير المهني، وتُظهر البيانات أن هذه السمة سجلت أدنى مستويات الفجوة مقارنة ببقية السمات، ففي أمريكا الشمالية وغرب أوروبا تساوت قيم الاستجابة الإيجابية بين الفئات الأقل والأكثر تعرضًا للتمييز، حيث بلغت 0.1 مقابل 0.1 في الأولى، و0.2 مقابل 0.2 في الثانية، وهو ما يدل على غياب فجوة تمييزية واضحة في هذا البعد.
تكشف قراءة فجوات القبول الاجتماعي في السمات الخمس الرئيسية للتمييز أن التفاوتات الاجتماعية لا تتوزع بالتساوي بين المناطق أو بين أنواع السمات ذاتها، بل تتأثر بمجموعة كبيرة من العوامل الثقافية والاقتصادية والمؤسسية. فبينما تظهر بعض السمات، مثل العرق والأصل القومي أو الدين، فجوات أكثر وضوحًا في عدد من المناطق، تأتي سمات أخرى، مثل الحالة الاجتماعية أو الخدمة العسكرية، بفجوات أقل حدة أو ربما تكون غائبة، ولا شك أن تحقيق العدالة والمساواة لا يقتصر على إزالة التمييز المباشر، بل يتطلب بيئة تشريعية تسد هذه الفجوات الاجتماعية أو الثقافية أو الاقتصادية، كذلك تهيئة الظروف التي تضمن تكافؤ الفرص الفعلي لجميع الفئات، بصرف النظر عن سماتها أو خلفياتها.