خلال السنوات الـ 25 سنة الأخيرة، الممتدة من 1998 إلى 2023، كانت الظاهرة الأبرز في العلاقة بين مستويات أسعار البترول الخام من جهة، والحروب والنزاعات عالميا من حيث الكم والنوع من جهة أخرى، أن التغير في عدد الحروب والنزاعات صعودا وهبوطا في حد ذاته، لم يكن له ارتباط وثيق في جميع الأحوال بالتغير في أسعار النفط صعودا وهبوطا، حيث كانت الغالبية الساحقة من الحروب والنزاعات بلا ارتباط أو تأثير تقريبا علي أسعار البترول، واقتصر الأمر على خمس حروب فقط صاحبها تأثير على أسعار البترول صعودا وهبوطا، وكانت علي الترتيب تاريخيا الحرب علي الإرهاب بعد احداث سبتمبر 2001، ثم الغزو الأمريكي للعراق في 2003، ثم الحرب الأهلية الليبية 2011 وما بعدها، والهجوم علي شركة أرامكو السعودية في سياق الحرب داخل اليمن، وأخيرا الحرب الروسية الأوكرانية.
تستند هذه الفرضية إلى طبيعة التغير في كلا الأمرين خلال هذه الفترة، ففيما يخص التغير في سعر البترول، تشير التحليلات الخاصة ببيانات أسعار البترول إلى أن أول نقطة ذروة أو تغير مهم وملحوظ في معدل تغير السعر تم تسجيلها في عام 1999 حينما بلغ التغير في سعر البرميل 85.4 %، وكان هذا السعر مرتبطا بقيام دول أوبك بتخفيض الإنتاج، وانتعاش الطلب الآسيوي علي البترول بعد الأزمة المالية، ثم حدثت الذروة الثانية في التغير عام 2002 حينما بلغ التغير 49.8% مع تزامن مع تصاعد التوتر في الشرق الأوسط قبل غزو العراق، والمضاربة في الأسواق الآجلة، ثم ذروة في عام 2004 بلغت 33.7% مع استمرار الطلب العالمي خاصة من قبل الصين، ثم ذروة قدرها 49.3% في 2008 قبل الأزمة المالية. جعلت سعر البرميل يصل الي 147 دولار، ثم ذروة قدرها 12.13% مع الحرب الأهلية الليبية، ثم ذروة بلغت 34.9% عقب الهجوم على شركة أرامكو السعودية، ثم ارتفاع قدره 12.1% مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022 جعل سعر البرميل يبلغ 120 دولار قبل أن يتراجع.
أما علي صعيد الانهيارات السعرية، أو نقاط القاع في معدل تغير أسعار البترول، فقد كان ابرزها في عام 2001 حينما بلغ التغير السلبي في السعر -26.51 % بعد احداث سبتمبر وتوقف السفر الجوي وحدوث تباطؤ اقتصادي، وحدثت ذروة هبوط اخري في 2008 بلغت -61.38 ليس بسبب النزاعات والحروب ولكن تزامنا مع الأزمة المالية العالمية التي انخفض معها سعر البرميل من 147 الي 30 دولار، ثم حدثت ذروة هبوط اخري في عام 2014 بلغت -55.34 %، بسبب ثورة النفط الصخري الأمريكي وزيادة الإنتاج من 5 ملايين الي 9 ملايين برميل يوميا، ما خفض الأسعار من 115 دولار الي 50 دولار.
في مقابل ذلك فإن نقاط الذروة في معدل تغير عدد النزاعات والحروب، تم تسجيلها في كل من عام 2000 الذي ارتفع خلاله معدل النزاعات بنسبة 1.97%، وعام 2007 بنسبة 0.83%، وعام 2011 بنسبة 0.30%، وعام 2013 بنسبة 3.36% مع تصاعد النزاعات في سوريا والعراق وليبيا، وعام 2015 بنسبة 6.5%، مع ذروة الحرب الأهلية الليبية، الحرب في اليمن، تصاعد النزاعات في سوريا والعراق، ونزاعات الساحل الأفريقي (مالي، النيجر، بوركينا فاسو).
أما نقاط القاع في معدل التغير بعد النزاعات فتم تسجيلها في عام 2017 حينما بلغت نسبة التغير -24.73% مسجلة انخفاضا حادا، وعام 2018 حينما بلغت النسبة -7.78 %، وعام 2019 الذي شهد انخفاضا حادا بلغ -29.82 %، وعام 2021 الذي سجل تغيرا مقداره -37.54 %، وعام 2022 الذي بلغ فيه معدل التغير -64.47 %، وو2023 شهد تغيرا بلغ -129.06 %، وهو أكبر تراجع في عدد الحروب والنزاعات خلال الفترة بكاملها.
النظرة التحليلية إلى معدل التغير على الجانبين (أعداد حروب ونزاعات ــ أسعار بترول) تشير إلى تفكك الارتباط بين عدد النزاعات والأسعار. فعلى سبيل المثال في عام 2015، سجلت النزاعات أعلى زيادة (6.50) بينما كانت الأسعار في انهيار (-28.60). وفي 2017-2023، سجلت النزاعات انخفاضات حادة متتالية (وصلت إلى -129.06 عام 2023) بينما كانت الأسعار تتقلب بعنف (ارتفعت 51.78 عام 2021، و10.90 عام 2022، ثم انخفضت 7.61 عام 2023)، ويلاحظ أيضا أن قمم الأسعار في هذه الفترة جاءت نتيجة عوامل متعددة: تعاون أوبك (1999)، المضاربة (2002-2008)، الاضطرابات الجيوسياسية في ليبيا (2011) والسعودية (2019)، والحرب الروسية الأوكرانية (2022). بينما قيعان الأسعار جاءت نتيجة أزمات مالية (2001، 2008) وثورة النفط الصخري (2014-2015) وجائحة كورونا (2020).
وإذا حاولنا البحث عن أنماط الحروب والنزاعات التي لها تأثير على أنماط التغير في الأسعار، سنجد أن هناك نمط من النزاعات مؤثر في الأسعار هو النزاعات لدي المنتجين من المستوى المتوسط للبترول، ولهم وضعيه هامشية في السوق، والنزاع الذي يجسد هذا النمط هو الحرب الأهلية الليبية، فليبيا تنتج نحو 1.5 مليون برميل يومياً، أي حوالي 1.5% من الإنتاج العالمي. لكن نوعية النفط الليبي (خفيف) تجعله مهماً للتكرير الأوروبي، وانقطاعه يحدث اضطرابات إقليمية، وفي العموم تأثير النزاع على سوق البترول العالمية محدود.
وهناك نمط آخر هو النمط المؤثر على المنتجين الرئيسيين والبنية التحتية ذات الحساسية العالية، والحالة التي تجسد ذلك امتداد تداعيات النزاع اليمني الخليجي الي البنية التحتية السعودية، وتحديدا الهجوم على شركة أرامكو، وهو نمط كان له تأثير كبير قصير الأمد، فالسعودية هي أكبر منتج في أوبك وأكثرها قدرة على التعافي السريع. لذلك كان التأثير كبيرا قصير الأمد.
نمط ثالث هو الحروب التي تشمل فاعلاً دولياً رئيسياً في السوق لفترة طويلة، وتجسده الحرب الروسية الأوكرانية، ويحدث تأثير كبير ومستدام، فروسيا تنتج نحو 10 ملايين برميل يومياً (10% من الإنتاج العالمي). العقوبات وإعادة توجيه التجارة خلقت مخاطر طويلة الأمد.
النمط الأخير هو الحروب والنزاعات غير المؤثرة على السعر، وهي الغالبية الساحقة من النزاعات، ويكون السبب في ذلك إما أن الدول ليست منتجة (مالي، بوركينا فاسو، النيجر، الكونغو الداخلية)، أو أن الإنتاج استمر رغم الحرب (نيجيريا، أنغولا)، أو أن الفجوات عوضت من قبل منتجين آخرين.
يعني ذلك كله أن عدد النزاعات لم يكن خلال الفترة من 1988 الي 2023 متغيراً ذا دلالة في تفسير تحركات الأسعار، وأن النزاعات والحروب المؤثرة كانت تلك التي تمس بشكل مباشر إنتاج النفط في دول رئيسية ، ما يشير إلى تحول في طبيعة الصراعات، وأن الأسواق النفطية أصبحت أكثر تعقيداً، ما يجعل المضاربة المالية والسياسات النقدية وتحولات الطاقة قد تلعب دوراً أكبر من النزاعات الميدانية في التأثير على الأسعار.
الرئيسية نشرة رقم عدد مارس 2026

