نشير بيانات وكالة الطاقة الدولية، إلي أن مؤشر كفاءة استخدام الطاقة في مراكز البيانات العالمية العملاقة سيسجل تحسنا يبلغ نحو 10% خلال سبع سنوات تغطي الفترة من 2023 الي 2030، حيث ستنخفض الدرجة على المؤشر من 1.43 في 2023 لتصبح 1.29 في 2030، والانخفاض في الدرجة يعني تحسنا في الكفاءة باعتبار ان الدرجة دالة علي الهدر في تحويل الكهرباء إلى قدرة حوسبية فعلية داخل مركز البيانات ، وكلما اقترب الرقم من الصفر دل ذلك علي ان كل قدر من الطاقة دخل مراكز البيانات جري استغلاله بالكامل، ما يعني أعلى كفاءة ممكنة في الاستخدام,
وتُظهر البيانات أن التحسن لم يكن متساويًا بين المناطق الجغرافية حيث سجلت آسيا والمحيط الهادئ أسرع وتيرة تحسن في كفاءة استخدام الطاقة، بينما حافظت أمريكا الشمالية وأوروبا على مستويات تشغيل مستقرة مدعومة ببنية تحتية أكثر نضجًا واستثمارات متقدمة في أنظمة التبريد وإدارة الأحمال. وفي المقابل، بدأت مناطق مثل الشرق الأوسط وأفريقيا تسجيل تحسن تدريجي يعكس دخول استثمارات جديدة إلى القطاع وتوسع الاعتماد على البنية الرقمية محليًا.
وبين النمو السريع للطلب الرقمي والضغوط المتزايدة على الشبكات الكهربائية، لم تعد الكهرباء مجرد عنصر تشغيل، بل أصبحت العامل الأكثر تأثيرًا في مستقبل التوسع الرقمي العالمي، وسط تحديات ترتبط بتوافر الطاقة، وكلفة الإمداد، وكفاءة التبريد، والاستدامة البيئية.
الأداء والتشغيل عبر الأقاليم الجغرافية
يُظهر متوسط الفترة 2023–2025 تحسناً تدريجياً في كفاءة استهلاك الكهرباء داخل مراكز البيانات عالميًا، وإن كان هذا التحسن متفاوتاً بين المناطق. ففي مؤشر كفاءة استخدام الطاقة، تراجع المتوسط العالمي من 1.43 في عام 2023 إلى 1.38 في عام 2025، بمتوسط بلغ 1.41 خلال السنوات الثلاث، بما يعادل تحسناً نسبته 3%. ويعني هذا التراجع أن حصة أكبر من الكهرباء أصبحت تُستخدم مباشرة في تشغيل الخوادم والمعالجة الرقمية، مع انخفاض الفاقد المرتبط بأنظمة التبريد والبنية التشغيلية المساندة.
ويظهر التحسن بصورة أوضح في آسيا والمحيط الهادئ والصين، حيث سجلتا أعلى معدل تحسن خلال الفترة بنسبة 6%، بالتزامن مع استقرار معامل الحمل عند 48%، ما يشير إلى توسع متوازن يجمع بين زيادة السعات التشغيلية وتحسن كفاءة إدارتها. ويرتبط ذلك بتسارع الاستثمارات في البنية الرقمية في الصين واليابان وسنغافورة، إلى جانب التوسع في استخدام أنظمة التبريد المتقدمة ورفع كثافة الحوسبة داخل مراكز البيانات.
في المقابل، سجلت أمريكا الشمالية تحسناً محدوداً بلغ 2% فقط، لكنها حافظت على أفضل أداء عالمي في كفاءة استخدام الطاقة بمتوسط 1.31، أي أقل بنحو 7% من المتوسط العالمي. ويُفسَّر ذلك بنضج السوق وبلوغ مستويات كفاءة مرتفعة منذ فترة مبكرة، ما جعل هامش التحسن الإضافي أضيق مقارنة بالمناطق الأخرى. كما تستفيد المنطقة من تمركز أكبر مراكز البيانات العالمية في الولايات المتحدة، خاصة في فرجينيا وتكساس وأوريغون، حيث تتركز استثمارات شركات التكنولوجيا الكبرى مثل جوجل وميكروسوفت وأمازون.
أما أوروبا، فجاءت قريبة من المتوسط العالمي بمتوسط 1.45، بينما سجل معامل الحمل نحو 48%، ما يعكس استقراراً تشغيلياً مرتفعاً مدعوماً ببنية تحتية ناضجة وتنظيمات صارمة لكفاءة الطاقة، خاصة في أسواق فرانكفورت ولندن وأمستردام وباريس.
وعلى الجانب الآخر، بقي الشرق الأوسط وأفريقيا الأقل كفاءة، حيث بلغ متوسط المؤشر فيهما 1.92 و1.81 على التوالي، بما يعادل 136% و128% من المستوى العالمي في 2025، بينما استقر متوسط معامل الحمل عند 46%. ويشير ذلك إلى ارتفاع استهلاك الطاقة المخصصة للتبريد والخدمات المساندة، خصوصاً في البيئات الحارة، إلى جانب وجود جزء من السعات المركبة لم يصل بعد إلى التشغيل الكامل. ويكشف الجمع بين المؤشرين أن التفاوت بين المناطق لا يرتبط بحجم التوسع وحده، بل بمدى القدرة على تحويل الكهرباء إلى قدرة حوسبية فعلية بأعلى كفاءة تشغيلية وأقل فاقد ممكن.
المسار الزمني والسيناريو المستقبلي لعام 2030
يكشف المسار الزمني الممتد من 2023 إلى 2030 عن تحول هيكلي في علاقة مراكز البيانات بالكهرباء؛ فالتغير لا يقتصر على تحسن الكفاءة التشغيلية، بل يشير إلى تغير في طريقة إدارة الطلب الكهربائي نفسه داخل القطاع. فعالميًا انخفض مؤشر كفاءة استخدام الطاقة من 1.43 في عام 2023 إلى 1.38 في عام 2025، مع توقع وصوله إلى 1.29 بحلول 2030، بما يمثل تحسنًا تراكميًا يقارب 10% خلال الفترة الكاملة. ويعني ذلك أن كل وحدة كهرباء تدخل إلى مركز البيانات أصبحت تنتج قدرة حوسبية أكبر مقارنة بالسنوات السابقة، مع تراجع مستمر في الطاقة المهدرة في التبريد والبنية المساندة.
لكن اللافت أن هذا التحسن في الكفاءة لا يتزامن مع ارتفاع مماثل في معامل الحمل. فالمتوسط العالمي لمعامل الحمل يتراجع بشكل طفيف من 49% في 2023 إلى 48% في 2025 ويظل قريبًا من هذا المستوى حتى 2030. وتظهر الفجوة نفسها في معظم المناطق، حيث تتحسن الكفاءة الكهربائية بينما يبقى معدل استغلال القدرة المركبة شبه مستقر. ويشير ذلك إلى أن نمو البنية التحتية الكهربائية لمراكز البيانات يتقدم بوتيرة أسرع من نمو الاستخدام الفعلي لها.
وتعكس هذه العلاقة تحولًا مهمًا في القطاع؛ إذ لم يعد الاستثمار موجّهًا فقط لتلبية الطلب الحالي، بل لبناء سعات كهربائية استباقية تستوعب الطلب المتوقع من تطبيقات الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية خلال السنوات المقبلة. لذلك فإن المشهد حتى 2030 لا يشير فقط إلى مراكز بيانات أكثر كفاءة، بل إلى منظومة كهربائية أكبر حجمًا وأكثر جاهزية، تُبنى مسبقًا لاستيعاب موجة النمو الرقمي المقبلة حتى قبل وصولها إلى التشغيل الكامل.
بينما تقترب كفاءة مراكز البيانات من مستويات تشغيلية قصوى بحلول عام 2030، لا يوجد حتى الآن بديل مباشر للكهرباء لتشغيلها، ومع ذلك، تكمن الحلول البديلة في تغيير مصدر الكهرباء وطرق إدارتها، حيث يتم إبرام اتفاقيات شراء طاقة طويلة الأجل لربط المراكز مباشرة بمحطات طاقة متجددة نظيفة لا تتأثر بالظروف المناخية مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة النووية، بجانب دمج برمجيات الذكاء الاصطناعي لتحسين استهلاك الطاقة داخل المراكز الرقمية.

