الصورة التي تقدمها بيانات البنك الدولي عن حالة الانتشار الجغرافي لظاهرة الهوية الرقمية عالميا، تقول أنها ظاهرة لا تزال في بداياتها، فمن ناحية وجودها في حد ذاته، هناك 109 دولة من اصل 189 دولة ـ جري تقييم أوضاع الهوية الرقمية بها، تبين أنه لا يوجد بها هويات رقمية من الأصل، أي أن ما يعادل 57.67% من الدول التي جري تقييمها لم تعرف بعد الهوية الرقمية، وأن 80 دولة فقط بنسبة 42.33% هي فقط التي يوجد بها هويات رقمية، ومن ناحية مستوي النضج الذي بلغته داخل الدول التي ظهرت فيها، هناك أيضا تفاوتات ضخمة، لأن الدول التي بلغت فيها الهوية الرقمية درجة من النضج يمكن قياسها بالــ 27 معيار قياس الموضوعة من قبل البنك الدولي هي 30 دولة فقط، فيما هناك 131 دولة لا يمكن قياس الهوية الرقمية بها إلا بمقياس واحد هو هل هي موجودة ام لا من الأصل.
للتعرف على مزيد من ملامح الانتشار الجغرافي لظاهرة الهوية الرقمية عالميا، قمنا في مركز جسور بتفكيك وتحليل بيانات البنك الدولي الخاصة بالهوية الرقمية، وفق ثلاثة مسارات الأول هو وجود ظاهرة الهوية الرقمية من عدمه في الدول المختلفة، والثاني طبيعة هذا الوجود من حيث مستوى توافر العناصر الأساسية اللازمة لقياس الظاهرة، وهي عبارة عن 27 عنصر قياس صاغها البنك الدولي في صورة مؤشرات تفصيلية، تقيس وجود الهوية الرقمية داخل كل دولة.
فيما يتعلق بالمسار الأول تم تتبع وجود الظاهرة من عدمها داخل أقاليم العالم الجغرافية الكبرى، وتبين ما يلي:
ــ على مستوي العالم ككل، تبين أن عدد الدول التي تم تتبع الظاهرة بها 189 دولة، من بينها 109 بدون هوية بنسبة من الاجمالي57.67%، وعدد الدول التي يوجد بها هوية رقمية 80 بنسبة 42.33%
ـ من حيث الانتشار داخل أقاليم العالم الجغرافية الرئيسي، سجلت أمريكا الشمالية وغرب أوروبا أعلى معدلات انتشار 100% و90.91% على التوالي، ما يجعلها تمثل “المركز في الاقتصاد الرقمي العالمي.
ـ يظهر إقليم شرق أوروبا وآسيا الوسطى كقوة رقمية صاعدة بنسبة انتشار تقترب من 70%، ويعكس هذا النمط إرث البنية التحتية والمؤسسية القوية والتوجه نحو اللحاق بالغرب الأوروبي.
ـ في شرق آسيا والمحيط الهادئ بلغت نسبة الانتشار 40.63%، لكن يلاحظ أن الدول التي تبنت الهوية الرقمية في هذا الإقليم، مثل الصين، سنغافورة، كوريا الجنوبية، اليابان، تبنتها بنضج واكتمال فائقين، مما رفع الكثافة العامة للإقليم.
ـ ينقسم إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى قسمين، فهناك 11 دولة توجد بها هوية، و11 دولة لا توجد بها، بنسبة انتشار 50%، ولكن مع وجود فجوة واضحة بين دول الخليج العربي ذات الوفرة المالية والتقنية العالية، ودول أخرى تعاني من أزمات هيكلية أو حروب، أما إقليم أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي فتبلغ نسبة الانتشار به 34.38%، مع ملاحظة جهوداً حثيثة لبعض دول القارة مثل البرازيل وتشيلي في مقابل تخلف دول الكاريبي وبعض دول أمريكا الوسطى.
ـ يعد إقليم إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إقليما للتهميش والقصور الرقمي، لأن 42 دولة لا توجد بها هوية رقمية مقابل 4 دول فقط توجد بها. نسبة الانتشار لا تتعدى 8.7%. وحتى الدول الأربعة التي تمتلك هوية رقمية لا تزال مؤشراتها بدائية وقريبة من الحد الأدنى، وفي جنوب آسيا هناك 7 دول من أصل 10 بدون منظومة هوية رقمية معتمدة وفق معايير التقرير، مما يعني غياب التوازن الإقليمي.
وفي المسار الثاني الخاص بقياس مستوي نضج وعمق الظاهرة داخل الدول المختلفة، قياسا الي عدد مؤشرات القياس السابق الإشارة إليها والقابل منها للتفعيل والاستخدام داخل كل دولة، تبين ما يلي:
ــ وفقا لمعايير القياس فإن الحالة المثلى لنضج الهوية الرقمية داخل أي دولة، تفترض وضعية تسمح بتفعيل 27 مؤشرا لقياس نضج الهوية الرقمية، ما يعني أن العدد الإجمالي مؤشرات القياس المفعلة عالميا يتعين ان تبلغ 5103، لكن الوارد في التقرير أن المؤشرات المفعلة واقعيا تبلغ 1589، ما يعني أن متوسط عام النضج عالميا يبلغ 31%،
ــ اظهر التحليل أن مستويات النضج مقسمة الي 11 مستوى أو مرتبة، تضم المرتبة الأولي دولا بها 27 مؤشرا فاعلا، وهذه عددها 30 دولة فقط بنسبة 15.87% من الدول وتستأثر وحدها بـ 50.98% من المنجز الرقمي العالمي، ويقابلها المرتبة 11 التي تضم 131 دولة تمثل 69.31% من دول العالم وتحوز على 8.24% من المؤشرات، وهذا التباين الشاسع يعكس فجوة معرفية وتكنولوجية عميقة تقسم العالم رقمياً إلى مجتمعات الوفرة المطلقة ومجتمعات “الحرمان العميق.
ـ بين القمة والقاع توجد منطقة يمكن وصفها بأنها منطقة الهضبة الرقمية، التي تضم المراتب الوسطي من المرتبة الثانية حتى العاشرة، وعددها 31 دولة بنسبة 16.4% وتحوز على 40.7% من المنجز العالمي في مجال الهوية الرقمية.
وفي المسار الثالث الخاص بالسياق، يمكن القول إنه لا يمكن فهم الأرقام السابقة جميعا بمعزل عن البيئة الاقتصادية والاجتماعية والتقنية التي أنتجتها. فالمؤشرات الـ 27 للهوية الرقمية تشمل تقنيات البيومترية، التوقيع الإلكتروني، الحوسبة السحابية، الربط البيني بين الوزارات، النفاذ العالي لإنترنت النطاق العريض، وهذه جميعا تتطلب بنية أساسية صلبة، وعليه نجد مثلا أن غياب الهوية الرقمية في أفريقيا جنوب الصحراء يرتبط بنيوياً بانخفاض معدلات التغطية الكهربائية، وضعف شبكات الألياف الضوئية، وارتفاع تكلفة البيانات مقارنة بمتوسط الدخل، وفي المقابل، فإن الوفرة في غرب أوروبا وأمريكا الشمالية هي نتاج طبيعي لعقود من الاستثمار في مراكز البيانات وشبكات الجيل الخامس.
تقيس مؤشرات الهوية الرقمية أيضاً وجود قوانين حماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني، وعليه نجد أن الدول الـ 30 التي تتربع على عرش المرتبة الأولى لم تحقق ذلك بالتقنية وحسب، بل بامتلاكها أطرًا قانونية صارمة تحمي هوية الأفراد وتمنحهم الثقة الرقمية للتعامل مع المنظومة الحكومية والخاصة، وغياب هذه البيئة التشريعية في دول العالم النامي يحول دون تفعيل المؤشرات حتى وإن توفرت البرمجيات، وأخيرا هناك علاقة طردية واضحة بين الناتج المحلي الإجمالي للدول وعدد المؤشرات، ما يعني أن الهوية الرقمية في الدول المتقدمة هي محرك للاقتصاد الرقمي والابتكار، أما في أقاليم مثل جنوب آسيا وأجزاء من أمريكا اللاتينية، فإن تبني الهوية الرقمية يدفعه بالأساس الرغبة في مكافحة الفقر وتوزيع الدعم الحكومي وضمان الشمول المالي للفئات المهمشة، ولذلك نجد تركيزاً على مؤشرات معينة مثل الهوية البيومترية الأساسية، وإهمالاً للمؤشرات الأكثر تعقيداً المرتبطة بالتجارة الإلكترونية المتقدمة.
الرئيسية نشرة رقم عدد يونيو 2026

