مُعدَّل الإنفاق الحكومي الصيني على القطاع الزراعي (2001–2024):34 ضِعفًا في الإنفاق الإجمالي و4 أضعافٍ في البحث والتطوير

أنفقت الصين على القطاع الزراعي ما قيمته ١١٫٠٩ مليار دولار في عام ٢٠٠١، وفقا لبيانات منظمة الزراعة العالمية (FAO)، بينما بلغ الانفاق ذاته في عام ٢٠٢٤ ما قيمته ٣٧٨٫٦٧ مليار دولار، أي بزيادة قدرها 34 ضعفًا في 23 عامًا فقط، بمعدل نمو سنوي مركّب يناهز ١٦٫٦٪، أي ان مجموع ما أُنفق في هذه الفترة بلغ نحو ٤٫٩٧ تريليون دولار؛ ضُخَّت في قطاع واحد على مدى أقلَّ من ربع قرن.
وتشير البيانات أنه في عام ٢٠٠٧ ارتفع الإنفاق من ٣١٫٨٢ مليار دولار إلى ٧٦٫٨٩ مليار دولار دفعةً واحدة، بزيادة قدرها ١٤١٫٧٪، ثم انكمش في ٢٠٠٨ إلى ٦٢٫٠٧ مليار دولار بانخفاض بلغ ١٩٫٣٪، ليعاود القفز في ٢٠٠٩ إلى ١٣٩٫٤٣ مليار دولار بزيادة ١٢٤٫٦٪ وهي السنة التي أعقبت مباشرةً حزمة التحفيز الصينية الكبرى التي ضخّتها الحكومة والتي بلغت نحو 586 مليار دولار عقب الأزمة المالية العالمية، وخُصّص منها 370 مليار يوان للتنمية الريفية.
وقد عبَر الإنفاق الحكومي الصيني على القطاع الزراعي حاجز المائة مليار في ٢٠٠٩، والمائتين في ٢٠١٢، والثلاثمائة في ٢٠١٥، ثم دخل منذ ٢٠١٩ مرحلة استقرار بقيمة تتراوح بين ٣٥٢ و٣٧٩ مليار دولار في عام 2024.
ولعل المعيار الأقرب لبيان القفزة في الانفاق الحكومي الصيني على القطاع الزراعي هو حصة هذا القطاع من إجمالي الانفاق العام للدولة، فقد بدأت الحصة عند ٤٫٨٦٪ سنة ٢٠٠١، وهبطت إلى أدنى مستوياتها عند ٤٫٥٧٪ سنة ٢٠٠٥، ثم تضاعفت لتبلغ ذروتها عند ١٠٫٩٥٪ في عامَي ٢٠٠٩ و٢٠١٠ معًا، وظلّ متوسطها بين ٢٠٠٩ و٢٠١٥ نحو ١٠٫٣٪. ثم أخذت تتراجع إلى ٨٫٣٤٪ في ٢٠١٩، فإلى ٦٫٦٣٪ في ٢٠٢٢ وهو أدنى مستوى منذ ٢٠٠٦، قبل أن تتعافى قليلًا إلى ٧٫١٨٪ في ٢٠٢٤. كما هو موضح في الشكل رقم(1)
يلاحظ أن الحصة انخفضت بينما ظلّ حجم الانفاق بالدولار يرتفع أو يستقرّ عند مستوياته العليا، ومعنى ذلك أن إجمالي الإنفاق الحكومي الصيني قد نما أسرع من إنفاقه الزراعي، لا أن الزراعة تعرّضت لتقليص، فالقطاع احتفظ بقاعدته المالية الضخمة، وإن فقد شيئًا من موقعه النسبي داخل الموازنة العامة.

أما فيما يتعلق بالإنفاق على البحث والتطوير على القطاع الزراعي، فقد بلغ نحو ٣٫٥٤ مليار دولار في عام ٢٠٠٤، وفي ٢٠٢٣ بلغ ١٤٫٠٢ مليار دولار؛ أي زاد بنحو أربعة أضعاف خلال تسعة عشر عامًا، بمعدل نمو سنوي مركّب قدره ٧٫٥٪، وبمجموع تراكمي يناهز ١٤٨ مليار دولار.
ويلاحظ أنه خلال الـ 19 عاماً محل الرصد، ظل الانفاق على البحث والتطوير في زيادة مطّردة ومُستمرة، لم تنقطع في سنة واحدة، ولم تكسرها الأزمة المالية العالمية في ٢٠٠٨ و٢٠٠٩، ولا التباطؤ في النمو الاقتصادي الصيني بعد ٢٠١٥، ولا جائحة كوفيد-19في عام ٢٠٢٠. كما هو موضح في الشكل رقم(2).
في المقابل بلغت حصة الإنفاق الحكومي على البحث والتطوير في القطاع الزراعي الصيني نحو ١٤٫٠٢٪ سنة ٢٠٠٤ و١٥٫٠٦٪ سنة ٢٠٠٥، ثم هبطت إلى نحو ٢٫٣٦٪ سنة ٢٠١٤، ثم عادت فارتفعت إلى ٣٫٩٠٪ سنة ٢٠٢٣. والهبوط هنا ليس تراجعًا في البحث بل ان الإنفاق العام تضاعف بسرعة تفوق كثيرًا سرعة تضاعف البحث، فبدا البحث صغيرًا وهو ينمو.

وتجدر الإشارة إلى أن قفزة الصين في الإنفاق على القطاع الزراعي لديها، كان مزامناً لكثافة الباحثين الزراعيين، حيث تُشير البيانات إلى تضخم كثافة الباحثين الزراعيين اللذين يعملون بدوام كامل ففي عام 2004 وهو عام بداية الرصد بلغ عددهم ٥٫٨ باحثًا لكل ١٠٠,٠٠٠ عامل زراعي، وصار ٣٤٫٥ باحثًا سنة ٢٠٢٣؛ أي نحو 6 أضعاف في 19 عامًا، بمعدل نمو سنوي يقارب ٩٫٨٪. كما هو موضح بالشكل رقم (3).

ترتب على السياسات المالية التي اعتنقتها الصين من خلال الانفاق على القطاع الزراعي، زيادة كبيرة في إنتاج الحبوب على سبيل المثال، و التي تجاوزت ٦٥٠ مليون طن لتسع سنوات متتالية، ثم سجلت ٧٠٦٫٥ مليون طن لأول مرة في ٢٠٢٤، ثم بلغت ٧١٤٫٨٨ مليون طن في ٢٠٢٥ بزيادة ١٫٢٪، كذلك تجاوز انتاج فول الصويا 20 مليون طن سنويا للعام الرابع على التوالي، وارتفعت الغلّة 0.8٪ إلى 5681.6 كيلوغرامًا للهكتار، وبلغ إنتاج القمح 138.95 مليون طن بزيادة 0.6٪، منها 136.54 مليون طن قمحًا شتويًّا بزيادة 0.8٪، وسجّلت 22 مقاطعة من 25 زيادةً في الإنتاج.
تكشف تجربة الإنفاق الزراعي الصيني خلال الفترة 2001–2024 أن التحول الزراعي لا يُقاس بحجم الأموال التي تُنفق فحسب، بل بقدرة الدولة على تحويل الإنفاق إلى سياسة ممتدة، وبنية بحثية، وقدرة بشرية، ونتائج إنتاجية. فقد تضاعف الإنفاق الحكومي على القطاع الزراعي نحو 34 مرة خلال 23 عامًا، في الوقت الذي ظل فيه الإنفاق على البحث والتطوير في مسار تصاعدي متصل، وارتفعت كثافة الباحثين الزراعيين قرابة ستة أضعاف. وهذه ليست مجرد أرقام مالية متراكمة، وإنما مؤشرات على بناء قدرة زراعية مؤسسية تراكمت على مدى سنوات ولم تُترك رهينة لتقلبات الدورة الاقتصادية.