يتركز إنتاج العناصر الأرضية النادرة في عشرة دول، أنتجت خلال الفترة من 2018 الي 2022 ما يزيد علي مليون و 181 طن متري، جاء 65% منها من الصين وحدها، أما الكوبالت فتنتجه 19 دولة، انتجت ما يزيد علي 713 الف طن خلال الفترة نفسها، وجاء 68% منها من جمهورية الكونغو الديمقراطية، ما يعني أن انتاج الكوبالت يقل بنحو 40 % عن انتاج العناصر النادرة، وتخلو الساحة العالمية تقريبا من اية نزاعات بين الدول المنتجة لكلا المعدنين، سواء انتاجا او استهلاكا او تصنيعا، حتي جاءت الصفقة الأوكرانية الامريكية الخاصة بالمعادن النادرة، لتدفع بالعنصرين معا الي واجهة الاهتمام، جنبا الي جنب مع العناصر المعدنية الأخرى التي تتضمنها الصفقة.
تأتي الولايات المتحدة في المرتبة الثانية بعد الصين بقائمة الدول المنتجة للعناصر الأرضية النادرة، لكنها لا تنافس الصين، فهي انتجت 165 الف طن خلال 2018 ـ 2022، في حين انتجت الصين 770 الف طن، ما يعني أن انتاج الولايات المتحدة يعادل 21.43% من انتاج الصين، واتسعت المسافات بين اللاعبين الأخرين مثل ميانمار وأستراليا اللتين بلغ انتاجهما 13.39% و12.37% من انتاج الصين على التوالى. وبالمثل بالنسبة للكوبالت، حيث يوجد فارق شاسع بين الكونغو الديمقراطية وبين الدول التي تليها في الترتيب روسيا واستراليا وكندا ، حيث يبلغ إنتاج هذه الدول 9.23% و5.61% و4.47% من انتاج الكونغو على التوالي. ونظراً لنمو هيمنة التكنولوجيا المتقدمة على معظم نواحي الحياة الحديثة، فقد تزايد الطلب على هذه المعادن خلال الخمس سنوات، ومن ثمَ استمر إنتاجها في الأرتفاع تقريباً بنفس المعدل على مدار الفترة، بدون أن يؤثر ذلك تأثيراً إيجابياً على التكلفة، ولا على الأسعار.
العناصر الأرضية النادرة:
تُصنَف من المعادن غير الحديدية، وتتكون من 17 منتج منفصل تتميز بخصائص كهربائية، ومعدنية، وتحفيزية، ونووية، ومغناطيسية، وتُستغل في مجالات:
1- التطبيقات عالية التقنية والناشئة مثل الهواتف الذكية، ومحركات الأقراص الصلبة لأجهزة الكمبيوتر، والمركبات الكهربائية والهجينة، وشاشات العرض المسطحة وأجهزة التلفزيون من عنصر الإيتريوم، بالإضافة الى عدسات الكاميرات، وأقطاب البطاريات، ومحفزات تكرير البترول من عنصر اللانثانوم، وكذلك المحولات الحفازة، وتلميع الزجاج، وكعامل حفاز في أفران التنظيف الذاتي من عنصر السيريوم.
2- تصنيع تقنيات الطاقة المتجددة مثل المغناطيسات عالية القوة المستخدمة في توربينات الرياح ومحركات المركبات الكهربائية من عنصر النيوديميوم.
3- التطبيقات الدفاعية مثل الشاشات الإلكترونية، وأنظمة التوجيه، وأجهزة الليزر، وأنظمة الرادار والسونار.
تشير البيانات إلى أن نسبة إنتاج العناصر الأرضية في تزايد حيث قُدِر الانتاج العالمي عام 2023 بحوالي 350 ألف طن أي بزيادة قدرها 18% عن 2022. أما إنتاج الصين فقد حقق 240 ألف طن عام 2023، بزيادة قدرها 13% تقريباً عن 2022 والبالغ 210 ألف طن. وتمتلك أكبر احتياطيات منه تُقدر بنحو 44 مليون طن متري، اعتماداً على عمليات التعدين المكثفة في مناطق مثل “منغوليا الداخلية” و”سيتشوان”. في حين أن باقي الدول التي تليها في المراكز الثانية والثالثة والرابعة خارج المنافسة تماماً، فإن الولايات المتحدة حصتها من إجمالي الخمس سنوات 14% فقط، فهي تعتمد على منجم واحد في كاليفورنيا يسمى “ماونتن باس”، تليها مباشرةً بنسب 9% و8% ميانمار وأستراليا، وباقي الدول منها روسيا و الهند لا تتعدى حصصها 1%.
تكلفة الانتاج والتحديات والأسعار: من البديهي أن ترتفع تكلفة انتاجه ليس فقط لمحدودية عدد الدول التي تنتجه مع احتكار الصين له، ولكن أيضاً 1- لارتفاع التكاليف البيئية للتعدين والاستخراج بحسب طريقة التعدين المستخدمة سواءً مناطق مكشوفة أو تحت الأرض لأنها تستهلك حجم كبيراً جداً من الطاقة. علاوة على 2- عملية المعالجة والتكرير المعقدة والتي تتضمن مراحل متعددة من المعالجة الكيميائية والفصل، و التي غالباً ما يستخدم بها مواد سامة ضارة للبيئة وتسبب مخاطر صحية على العمال والمجتمعات المجاورة. بخلاف 3- ضرورة الالتزام أثناء هذه المراحل باللوائح البيئية مثل إدارة النفايات، وتقليل الانبعاثات. بالإضافة الى 4- ضخامة حجم الطاقة اللازمة للتعدين والمعالجة والتكرير، وأخيراً، لإنها 5- تتطلب عمالة ماهرة ومعدات متخصصة.
وبالتالي تنعكس هذه التحديات مع مشاكل سلسلة التوريد والتوترات الجيوسياسية والتقدم التكنولوجي على تقلبات أسعار العناصر الأرضية، حيث تراوحت متوسطاتها في عام 2022 ما بين 150-120 ألف دولار /للطن بحسب العنصر، والذي انخفض في 2023 ليبلغ 135-110 الف دولار أمريكي/ للطن، ثم ارتفع قليلاً في 2024 وبلغ ما بين 140- 115 ألف دولار أمريكي/ للطن.
الكوبالت
هو من المعادن الحديدية، وتكمن أهميته كونه مكونًا أساسيًا في البطاريات القابلة لإعادة الشحن، وخاصةً بطاريات أيونات الليثيوم الضرورية للإلكترونيات والمركبات الكهربائية، بالإضافة لاستخدامه في السبائك الفائقة للمحركات النفاثة والتوربينات نظرًا لخصائصه المقاومة للحرارة، وكذلك كعنصر حيوي لصحة الإنسان، إذ يُعدّ جزءًا من فيتامين ب12، الضروري لإنتاج خلايا الدم الحمراء.
ومن العوامل التي تؤثر على تكلفة الكوبالت وتقلب أسعاره في ظل الطلب على بطاريات السيارات الكهربائية وغيرها من الأجهزة الإلكترونية في السنوات الأخيرة، الاضطرابات الجيوسياسية، فبعد ان بلغ متوسط سعره 70 الف دولار للطن في 2022، انخفض الى 37 الف دولار/الطن في الولايات المتحدة، و 29 الف دولار/ الطن في الصين في 2023، وأخيراً بلغ 33.6 الف دولار/ الطن في 2024- بحسب موقع tradingeconomics.com
باختصار، الكوبالت والعناصر الأرضية النادرة مثلهما مثل كل المعادن الحيوية التي باتت ضرورية للتكنولوجيا الحديثة والتنمية المستدامة، وهي نفسها المعادن التي تعطل أهداف التنمية المستدامة، فإن تربُع الدولتان على عرش العناصر الأرضية والكوبالت تربع جائر للأسف، فهما معتمدتان على أهم عاملان يؤثران على أى عملية إنتاج وهما الأيدي العاملة الرخيصة، وعدم الالتزام بالمعايير البيئية والصحية، ومع كل انتهاك بغرض تقليل التكلفة، تتكبد البيئة وصحة البشر تكاليف لا تقدر بثمن لإنها غير قابلة للمعالجة والتصحيح.
الرئيسية نشرة رقم عدد مارس 2025