بلغت واردات الدواء في العالم العربي خلال الفترة من 2010 حتى 2022 نحو 270.7 مليار دولار، وزعت بشكل غير متكافئ في مستويات الاستيراد بين الدول العربية، بما يكشف عن اختلافات في حجم الأسواق، والقدرة الشرائية، ومستوى التصنيع المحلي، والبنية الصحية في كل دولة على حدة.
تصدرت المملكة العربية السعودية قائمة الدول العربية بإجمالي واردات بلغ 69,727 مليون دولار خلال الفترة محل الرصد، ما يجعلها أكبر سوق دوائي مستورد عربيًا بفارق ملحوظ، ويعزى ذلك إلى كبر حجم الإنفاق الصحي، واتساع قاعدة المستفيدين من الخدمات الطبية، وارتفاع نصيب الفرد من الدخل، إضافة إلى الاعتماد الكبير على الأدوية المتقدمة والبيولوجية المستوردة، تلتها دولة الإمارات العربية المتحدة بإجمالي 46,706 مليون دولار، وهو ما يعكس مكانتها كمركز تجاري إقليمي وإعادة تصدير، فضلًا عن ارتفاع مستوى الرعاية الصحية فيها. كما هو موضح في الشكل رقم(1).
في المرتبة الثالثة تأتي مصر بإجمالي 31,251 مليون دولار، رغم امتلاكها قاعدة تصنيع دوائي محلي معتبرة إذ يبلغ حجم سوق الدواء في مصر نحو 300 مليار جنيه سنويا أي 6,280 مليون دولار، ويشير ذلك إلى أن الصناعة المحلية، وإن كانت متطورة نسبيًا، لا تزال تعتمد على استيراد المواد الخام الفعالة وبعض الأدوية عالية التقنية، وفي المرتبة الثالثة حلت الجزائر بنحو 26,179 مليون دولار، فتظهر بدورها سوقًا كبيرة ترتبط بحجم السكان وسياسات التغطية الصحية الواسعة.
وتتوسط القائمة دول مثل الكويت إذ بلغ حجم واردات الأدوية فيها نحو 14,389 مليون دولار، ولبنان بنحو 13,908 مليون دولار، العراق بنحو12,835 مليون دولار، المغرب بنحو9,675 مليون دولار، والأردن سجلت واردات بقيمة 7,994 مليون دولار، تونس بنحو 7,562 مليون دولار، وقطر بنحو 7,380 مليون دولار، ويعكس هذا المستوى المتوسط من الواردات توازنًا بين حجم السكان ومستوى الدخل والقدرة الإنتاجية المحلية، فبعض هذه الدول تمتلك صناعات دوائية نشطة، لكنها تظل غير مكتفية ذاتيًا في المنتجات المتخصصة.
أما الدول ذات القيم الأدنى مثل عُمان، السودان، البحرين، ليبيا، اليمن، سوريا، موريتانيا، وجزر القمر، حيث تراوحت حجم واردات الأدوية بين5,657 مليون دولار في عمان و43 مليون دولار في جزر القمر، فتتسم أسواقها بصغر الحجم النسبي، سواء بسبب محدودية عدد السكان، أو ضعف القدرة الشرائية، أو الظروف الاقتصادية والسياسية التي أثرت في حجم الاستيراد.
يكشف هذا التوزيع أن السوق الدوائي العربي ليس متجانسًا بل يتسم بعدم التوازن، وحتى الدول التي تمتلك صناعات محلية ما تزال تعتمد بدرجة كبيرة على الخارج، خاصة في المواد الخام الدوائية والأدوية المبتكرة، كما يظهر الارتباط الوثيق بين مستوى الدخل القومي وحجم الاستيراد، ما يؤكد الطبيعة الاقتصادية للسوق الدوائي إلى جانب بعدها الصحي.
ويشير التطور الزمني لواردات الدول العربية من الأدوية خلال فترة الرصد من 2010 حتى 2022، إلى مسار تصاعدي عام يتخلله عدد من التحولات المرحلية المرتبطة بالمتغيرات الاقتصادية والصحية الإقليمية والدولية، فقد ارتفعت قيمة الواردات من 12,438 مليون دولار عام 2010 إلى 27,834 مليون دولار عام 2022، بما يعكس أكثر من تضاعف قيمة الواردات خلال 13 عامًا، وهو ما يدل على توسع مستمر في حجم الطلب الدوائي واعتماد ملحوظ على الاستيراد لتلبية الاحتياجات الصحية. كما هو موضح في الشكل رقم (2).
سجلت واردات الدول العربية من الأدوية نموًا متسارعًا في الـ4 سنوات الأولى من فترة الرصد ما بين عامي 2010و2014، إذ ارتفعت من 12,438 مليون دولار إلى 21,678 مليون دولار، بزيادة تقارب 74%، ويُعزى هذا النمو تحسن الأوضاع المالية في عدد من الدول العربية، خصوصًا المصدّرة للنفط، إلى جانب توسع برامج الرعاية الصحية وزيادة الطلب على الأدوية الحديثة والمتخصصة، غير أن العامين اللاحقين وهما 2015، 2016 شهدا تراجعًا نسبيًا، حيث انخفضت الواردات إلى 18,752 مليون دولار في 2015 ثم إلى 18,464 مليون دولار في 2016، ويرتبط هذا الانخفاض بتراجع أسعار النفط عالميًا وما ترتب عليه من سياسات ضبط مالي وترشيد للإنفاق العام في بعض الدول، فضلاً عن الضغوط الاقتصادية التي شهدتها اقتصادات عربية عدة.
وابتداءً من عام 2017 عادت الواردات إلى مسار النمو التدريجي، حيث بلغت 21,960 مليون دولار في 2017، وارتفعت إلى 23,273 مليون دولار في 2018، واستقرت تقريبًا عند 23,268 مليون دولار في 2019، وتعكس هذه المرحلة استقرارًا نسبيًا في الطلب، واستمرار الاعتماد على الاستيراد رغم وجود صناعات دوائية محلية في بعض الدول، الأمر الذي يشير إلى محدودية الاكتفاء الذاتي في المنتجات الدوائية ذات التقنية العالية.
أما الفترة ما بين عام 2020 و2021 فقد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا، إذ بلغت الواردات 23,914 مليون دولار في 2020، ثم قفزت إلى 29,664 مليون دولار في 2021، وهو أعلى مستوى خلال السلسلة الزمنية، ويرتبط هذا الارتفاع بتداعيات جائحة كوفيد-19، وما صاحبها من زيادة في استيراد الأدوية والمستلزمات الطبية واللقاحات، إضافة إلى تعزيز المخزونات الاستراتيجية تحسبًا لانقطاع سلاسل الإمداد العالمية وهو ما يشير إلى حساسية القطاع الدوائي للتغيرات الصحية الطارئة على المستوى العالمي.
وفي عام 2022 وهو العام الأخير من أعوام الرصد انخفضت الواردات إلى 27,834 مليون دولار، إلا أنها بقيت أعلى بكثير من مستويات ما قبل الجائحة، مما يشير إلى استمرار النمو طويل الأجل في الطلب الدوائي، وعليه، يمكن القول إن الاتجاه العام خلال الفترة محل الدراسة يتسم بالتصاعد، مع تقلبات مرتبطة بالظروف الاقتصادية وأسعار الطاقة والأزمات الصحية العالمية، وهو ما يعزز الاستنتاج بأن السوق الدوائي العربي يشهد توسعًا مستمرًا يقابله اعتماد ملحوظ على الواردات، الأمر الذي يبرز أهمية تعزيز التصنيع الدوائي المحلي كخيار استراتيجي لتحقيق قدر أكبر من الأمن الصحي والاستقرار الاقتصادي.
أخيراً؛ إن قراءة هذه الأرقام لا ينبغي أن تقتصر على بعدها التجاري، وإنما أضحى من الضروري وضع الأمن الصحي والاستقلال الصناعي عين الاعتبار، فاستيراد ما يقارب 270 مليار دولار من الأدوية خلال 13 عامًا يعكس فجوة في سلاسل القيمة الدوائية داخل المنطقة العربية، ومن ثمّ، فإن تعزيز التصنيع المحلي، وتوطين التكنولوجيا، وتطوير البحث العلمي، وتوحيد السياسات الدوائية عربيًا، تمثل خطوات أساسية نحو تقليل الاعتماد الخارجي وتحويل هذا الإنفاق الكبير لدفع التنمية المستدامة داخل الدولة.

