3 صدمات نفطية كبرى بسبب النزاعات في الفترة (1972 -1997)

ترتبط أسعار النفط ارتباطًا وثيقًا بالحروب والنزاعات، إذ تُعد أسواق الطاقة من أكثر القطاعات تأثرًا بالاضطرابات الجيوسياسية، كما تُعد في الوقت ذاته أحد العوامل التي قد تسهم في تأجيج الصراعات أو إطالة أمدها، وتكشف البيانات في الفترة بين عامي 1972 و1997 عن وجود تناسب طردي ملحوظ بين معدل التغيّر في أسعار البترول والتغير في معدلات النزاعات، فقد سُجلت 17 حالة زيادة في معدلات النزاعات مُقابل 14 حالة زيادة في أسعار البترول، بما يعني أن نحو 65.4% من السنوات شهدت تصاعدًا في النزاعات والحروب، في حين شهدت 53.8% من السنوات ارتفاعًا في أسعار النفط، كما تساوت تقريبًا حالات الانخفاض في كلا المتغيرين، حيث انخفضت النزاعات 9 مرات بالتزامن مع انخفاض الأسعار 9 مرات كذلك، وهو ما يمثل نحو 34.6% من إجمالي السنوات لكل متغير.
تكشف البيانات أن معدلات أسعار النفط ترتفع عادة في فترات التوتر السياسي أو اندلاع الحروب، نتيجة المخاوف من انقطاع الإمدادات أو تضرر البنية التحتية للطاقة، في حين تميل الأسعار إلى الانخفاض أو الاستقرار خلال فترات السلم النسبي والاستقرار الدولي، وهو ما يعكس الطبيعة الحساسة لسوق النفط، الذي يتأثر بسرعة بالتغيرات السياسية والعسكرية، خاصة في المناطق التي تمثل مراكز رئيسية لإنتاج الطاقة، مثل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وآسيا الوسطى، وقد شهدت فترة الرصد الممتدة لربع قرن ثلاث صدمات نفطية رئيسية، الأولى كانت أزمة 1973–1974، عندما قلّلت دول أوبك الإنتاج وفرضت حظرًا على التصدير، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار بما يقارب أربعة أضعاف، أما الصدمة الثانية فكانت في 1979–1980، نتيجة الثورة الإيرانية واندفاع المخزنين، حيث تضاعفت الأسعار أكثر من مرتين خلال عام واحد، وأخيرًا، صدمة الزيادة في معدلات أسعار البترول عام 1990 بعد غزو الكويت.
حيث شهدت سبعينيات القرن العشرين فترة استثنائية في اقتران النزاعات بأسعار النفط؛ فبعد حرب أكتوبر 1973 ارتفع السعر في 1973 بنسبة 21.07% ثم قفز في 1974 إلى 144.96% متجاوزًا حاجز 140%، وتكرّر الارتفاع الحاد في 1979 بنسبة 83.20%، مع اندلاع الثورة الإيرانية 1979، التي أدت إلى تراجع إنتاج النفط الإيراني، أحد أكبر المنتجين في العالم آنذاك، ما تسبب في ارتفاع حاد في أسعار النفط العالمية، وقد تزامن هذا الارتفاع مع زيادة في عدد النزاعات، نتيجة التوترات السياسية التي أعقبت الثورة، إضافة إلى اندلاع صراعات إقليمية لاحقة في منطقة الخليج، ويؤكد هذا المثال أن التغيرات السياسية الداخلية كالثورات والانتفاضات والحروب الأهلية وبخاصة في الدول المنتجة للنفط قد يكون لها تأثير عالمي واسع النطاق، نظرًا لاعتماد الاقتصاد الدولي على إمدادات الطاقة المستقرة.
برزت كذلك العلاقة بين أسعار النفط والنزاعات بشكل واضح خلال أزمة الخليج في بداية التسعينيات، عندما اندلعت حرب الخليج الثانية 1990، التي أدت إلى تعطيل جزء كبير من إمدادات النفط في منطقة الخليج العربي، وقد انعكس ذلك مباشرة على أسعار النفط، التي شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال تلك الفترة بمعدل 43.95 %، بالتوازي مع زيادة في عدد النزاعات المسلحة في المنطقة بنسبة تقدر بـ 5.46%.
وعلى الرغم من وجود علاقة طردية واضحة في بعض الفترات، فإن البيانات تكشف أيضًا عن حالات خاصة تباينت فيها مُعدلات النزاعات والحروب مقابل تغير صفري في معدلات تغير أسعار البترول، ويتجلّى ذلك بوضوح في أعوام 1972 و1975 و1978 حين ظلّ تغيّر سعر البرميل صفراً بينما ارتفع عدد النزاعات بمعدل 4.45%، و7.81%، و2.37% على التوالي، ولعل ذلك يدل على أن العلاقة بينهما ليست سببية مباشرة في جميع الأحوال، فقد شهدت بعض السنوات انخفاضًا في أسعار النفط رغم زيادة معدل النزاعات، أبرزها عام 1981 الذي انخفض فيها معدل أسعار البترول نحو 5.26% مقابل زيادة في معدل النزاعات قدر بنحو 3.49%، كذلك عام 1984 الذي انخفض فيه سعر البترول بمعدل 10.60% مقابل زيادة طفيفة في معدل التغير في النزاعات بنحو0.31% فقط، وكذلك أعوام 1986، و1987، الأمر الذي يعكس تأثير عوامل أخرى على سوق النفط، مثل التغيرات في العرض والطلب العالمي، والتطورات التكنولوجية في مجال الطاقة، والسياسات الاقتصادية للدول المنتجة، فضلًا عن دور المنظمات الدولية في تنظيم الإنتاج والأسعار، لاسيما منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، التي تلعب دورًا مهمًا في تحديد مستويات الإنتاج والتأثير في استقرار الأسواق العالمية.
يبدو أن العلاقة بين أسعار البترول والنزاعات والحروب خلال المدى الزمني الطويل هي علاقة ديناميكية معقدة تتسم بالتأثير المتبادل، حيث تؤدي النزاعات الكبرى، خاصة في مناطق إنتاج النفط، إلى ارتفاع الأسعار نتيجة اضطراب الإمدادات، بينما قد تسهم الأسعار المرتفعة في زيادة التنافس الدولي على الموارد والطاقة، ما يؤدي في بعض الحالات إلى تصاعد النزاعات، ومع ذلك، فإن هذه العلاقة تظل خاضعة لتأثير مجموعة من العوامل الأخرى، مثل السياسات الاقتصادية، والتطورات التكنولوجية، والتغيرات في الطلب العالمي، والتوازنات الجيوسياسية بين الدول.
يمكن اعتبار أسعار النفط إذن مؤشرًا مهمًا لقياس مستوى الاستقرار الدولي، لكنها لا تمثل سببًا منفردًا لاندلاع النزاعات والحروب، بل عنصرًا ضمن منظومة أوسع من العوامل الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية التي تشكل بنية النظام الدولي المعاصر، وهذا ما تبين خلال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران في الآونة الأخيرة، حيث كشفت هذه الحرب بوضوح أهمية الاستقرار السياسي والأمني في الحفاظ على توازن أسواق الطاقة العالمية، أن أي اضطراب في مناطق إنتاج أو عبور النفط ينعكس فورًا على مستويات الأسعار وحجم الإمدادات في السوق الدولية، فقد أدت حالة عدم اليقين الجيوسياسي وارتفاع المخاطر الأمنية إلى زيادة التقلبات السعرية وارتفاع علاوات المخاطر، وهو ما يؤكد أن الاستقرار الدولي والإقليمي يُعد شرطًا أساسيًا لاستقرار أسعار النفط، وأن الأسواق النفطية تتأثر بدرجة كبيرة بمؤشرات الأمن والاستقرار بقدر تأثرها بعوامل العرض والطلب الاقتصادية.