يعد مستوى المخاطر الصحية التي تواجه الفئات الضعيفة، هو الضلع الثالث الذي يحدد إلي أي مدي يمثل مستوى الرعاية الصحية تهديدا وخطرا على المجتمعات والدول المختلفة، ووفقا للبيانات المتاحة عن الوفيات التي تحدث في الفئات الضعيفة، والمقصود بها الأمهات اثناء الحمل والولادة والأطفال حديثي الولادة دون الخامسة، فـإن الفئات الضعيفة في منطقة افريقيا جنوب الصحراء على وجه الخصوص تقع في قلب عاصفة الموت، لأن 69% من وفيات الأمهات بهذه المنطقة تحدث اثناء الحمل والولادة، و58% من وفيات الأطفال تحدث لحديثي الولادة وحتي الخامسة من العمر، في حين تتراجع هذه النسب إلي مستويات أقل كثيرا في أقاليم العالم الأخرى، لتسجل أدني مستوي لها في أوروبا وآسيا الوسطي وامريكا الشمالية التي بلغت فيها النسبة 0.2% في فئة الأمهات اثناء الحمل والولادة ، و0.1% في فئة الأطفال حديثي الولادة دون الخامسة.
وعند تجميع قيم معدلات وفيات الأمهات ووفيات الأطفال دون الخامسة (لكل دولة ولكل سنة) خلال الفترة 2000–2025، تبين أن إجمالي القيم المسجلة عالميًا يناهز1.058 مليون نقطة، حيث تمثل وفيات الأمهات منها نحو 83% مقابل17% لوفيات الأطفال دون الخامسة، كما أُظهرت البيانات أن إجمالي القيم السنوية للمؤشرين تراجع من مستويات قاربت 57 ألف نقطة في مطلع فترة الرصد (2000–2005) إلى نحو31.7 ألف نقطة في السنوات الأخيرة (2023–2025)، وعند الاقتراب من البيانات اكثر، تبين أن هناك تنوعات علي المستوي الجغرافي، ومن فترة زمنية لأخرى، ومن حيث درجة الخطورة، وفيما يلي نستعرض جانب من تفاصيل هذه التنويعات الثلاث:
التنوع الجغرافي
يُظهر تجميع قيم معدلات المؤشرين عبر الدول والسنوات أن إجمالي القيم المسجلة عالميًا يناهز مليون و58 ألف، تشكّل وفيات الأطفال دون الخامسة منها نحو 17% مقابل 83% لوفيات الأمهات.
كما تشير الى تركزًا جغرافيًا شديدًا وغير متكافئ، حيث تتصدر أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كلا المؤشرين بفارق واسع عن بقية الأقاليم. إذ تستحوذ وحدها على نحو 58% من مجموع قيم وفيات الأطفال دون الخامسة عالميًا، وترتفع حصتها إلى نحو 69% من مجموع قيم وفيات الأمهات، بما يعكس عمق الهشاشة الصحية في الإقليم، خاصة فيما يتعلق بمخاطر الحمل والولادة.
ويأتي بعد أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى بفارق كبير إقليم شرق آسيا والمحيط الهادئ، حيث يسجل نحو 11% من مجموع وفيات الأطفال مقابل 8.7% من وفيات الأمهات، وهو نمط يتكرر في أمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي 10% أطفال مقابل 8.1% أمهات، وفي جنوب آسيا 7% لكلا المؤشرين تقريبًا. أما في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فتظهر الفجوة بشكل أوضح، حيث تبلغ حصة وفيات الأطفال نحو8% مقابل4.7% فقط لوفيات الأمهات، بما يشير إلى اختلاف نسبي في طبيعة المخاطر الصحية بين الفئتين.
ومن ناحية أخرى، تسجل أقاليم شرق أوروبا وآسيا الوسطى، وغرب أوروبا، وأمريكا الشمالية أدنى المستويات في كلا المؤشرين، حيث وصلت في أمريكا الشمالية 0.2% لوفيات الأطفال و0.1% لوفيات الأمهات، ما يعكس متانة نظم الرعاية الصحية وقدرتها العالية على الحد من المخاطر المرتبطة بالحمل
التنوع الزمني
بلغ المتوسط العام لدرجات كلا المؤشرين تفاوتاً كبيراً، حيث تصدرت أفريقيا جنوب الصحراء المناطق الأكثر ضعفاً بمتوسط 70 درجة، تلتها جنوب آسيا (58درجة)، وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (50درجة)، و48درجة لشرق آسيا والمحيط الهادئ، و47 درجة للشرق الأوسط، و36 أمريكا الشمالية، و35 شرق أوروبا وآسيا الوسطى وأخيراً 25 درجة لغرب أوروبا.
لكن تلاحظ أن المتوسط ظل شبه مستقر في بعض المناطق مثل افريقيا جنوب الصحراء فهو إما 70 أو 71 درجة فقط، أو 46 و47 في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. بينما اتسع التغير نسبياً في شرق آسيا والمحيط الهادىء (47 -49 درجة)، وأمريكا اللاتينية والبحر الكاريبي (49 -51 درجة). وازداد في جنوب آسيا (56 -60 درجة)، وكذلك شرق أوروبا وآسيا الوسطى (34-39 درجة)، وغرب أوروبا (23-26 درجة). أما أمريكا الشمالية فهي الوحيدة التي تجاوز الفارق فيها أكثر من 8 درجات حيث حققت درجات تراوحت ما بين 31-39 درجة.
وقد سجلت بداية فترة الرصد (2000 و2005) أسوأ معدلات لإجمالي وفيات (الأمهات والأطفال) وتراوحت ما بين 56 ألف و48 ألف حالة. بينما سجلت آخر أعوام من 2019 الى 2025 أفضل معدل إجمالي وفيات للمعدلين، حيث كانت 32 ألف حالة من 2019 الى 2022، واستقرعند 31.7 حالة من 2023 الى 2025.
تنوع مستوى المخاطر
يصنف مؤشر المخاطر العالمية درجات الخطوة التي تتعرض لها الفئات الضعيفة الي خمس مستويات، ويعكس هذا التصنيف الخماسي تباينًا عميقًا في قدرات الدول على حماية الفئات الضعيفة، فالدول الواقعة ضمن فئة الخطورة الشديدة جدًا، ولا سيما في الشريحة الأعلى (80–100 درجة)، تضم فيما بينها جنوب السودان وسيراليون، إلى جانب جمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والصومال ونيجيريا وغينيا والنيجر وأنغولا، وهي دول يجتمع فيها ضعف النظم الصحية، الصراعات الممتدة، الهشاشة المؤسسية، ونقص خدمات رعاية الحمل والولادة وصحة الطفل. ويؤكد وجود دول غنية بالموارد الطبيعية ضمن هذه الفئة أن المشكلة لا تكمن في وفرة الموارد بقدر ما تكمن في ضعف تحويلها إلى استثمار اجتماعي وصحي فعّال. وفي الشريحة التالية (60–79 درجة)، تظهر دول مثل السودان واليمن وجيبوتي، وهايتي وفنزويلا، وأفغانستان وباكستان، وتيمور ليستي وميانمار، ما قد يعكس هشاشة سياسية وضغوط اقتصادية وصحية.
أما فئة الخطورة الشديدة (12.65-39.05)، فتضم عدد أوسع من الدول ذات الأوضاع المتباينة، من بينها تشيلي وكوستاريكا، وعدد من الدول العربية مثل عُمان ولبنان والبحرين والسعودية وقطر والكويت والإمارات، إضافة إلى إسرائيل، وأوكرانيا وألبانيا وقبرص والاتحاد الروسي، فضلًا عن عدد كبير من دول غرب أوروبا مثل لاتفيا والمملكة المتحدة وفرنسا وإستونيا وسويسرا والبرتغال. وقد يُفسَّر ظهور بعض الدول مرتفعة الدخل، ومنها الولايات المتحدة بدرجات متفاوتة عبر السنوات، بتذبذب الأداء داخل المؤشر العام للفئات الضعيفة، لا بضعف شامل في قدراتها الصحية.
في المقابل، تعكس فئات الخطورة المتوسطة والضعيفة والضعيفة جدًا (12.64- 0)- التي تضم النرويج وآيسلندا وسان مارينو- نجاحًا في بناء نظم صحية شاملة، وتغطية واسعة لخدمات رعاية الحمل والطفولة، واستثمارًا طويل الأمد في الوقاية والحماية الاجتماعية، ما يفسر وجودها عند أدنى مستويات الخطورة عالميًا.
نخلص مما سبق، أنه رغم تراجع القيم العالمية لمؤشرين، لم يتغير نمط المخاطر، فما تزال الفجوة ناتجة عن ضعف في النظم الصحية، لا عن نقص الموارد وحده، وهو ما يفسر استمرار تمركز المخاطر في نفس الدول والأقاليم عبر ربع قرن.
الرئيسية تشرة رقم عدد يناير 2026

