بين 1946 و1971: الأسعار تتجمد كليا ولا تتغير لـ 14 عاما وتأثرها بالحروب يتقلص بالباقي ويظهر جليا في 3 أعوام فقط

خلال الفترة من 1946 إلى 1971، لم يكن هناك ارتباط قوى بين النزاعات المسلحة وأسعار البترول، حيث ظهر التأثير والتأثر جليا خلال السنوات الثلاث الأولي 1946 إلى 1948، ثم ساد جمود في الأسعار وظلت دون تغيير طوال السنوات الــ 14 التالية بين 1949 و1963، بغض النظر عن ارتفاع أو انخفاض النزاعات المسلحةـ ثم عاد التأثير للظهور بصورة طفيفة متقطعة غير منتظمة خلال الـ 8 سنوات التالية 1964 إلى 1971، حيث سجلت الأسعار تغيرات موجبة في 5 سنوات من أصل 8 سنوات. ولم يعد اتجاه الأسعار ثابتاً، لكنه كان مرتبطا أكثر بالتغيرات الاقتصادية والسياسية، وليس بالنزاعات المسلحة والحروب،
كان السبب الرئيس في هذه الوضعية هو نظام “التسعير الإداري” والامتيازات التي هيمنت عليها شركات النفط الكبرى المعروفة بـ”الشقيقات السبع” والتي كانت تحدد قيمته بقرارات مؤسسية بعيداً عن العرض والطلب، فضلاً عن وقوع أغلب النزاعات بعيداً عن مراكز الإنتاج. وقد سجلت الأسعار ارتفاعات تراكمية تجاوزت 85% بين عامي 1946 و1948، بالتوازي مع قفزات نزاعات تخطت50% في بعض السنوات، سرعان ما دخلت في حالة ثبات لنحو 15 عاماً، حيث لم يطرأ أي تغيير سعري في 60% من سنوات تلك الفترة، رغم تصاعد النزاعات بمعدلات وصلت إلى 18.62% و16.17% عامي 1958 و1964 على التوالي. وفي أواخر الستينيات، تحركت الأسعار بنحو8.94% و6.36% في عامي 1969 و1970 على التوالي، دون تزامن مع حجم النزاعات.
وبمقارنة مسار النزاعات بمسار الأسعار عبر الفترة الكاملة يتضح أنها شهدت ثلاث اتجاهات فى ثلاث مراحل زمنية مختلفة كالتالي:
المرحلة الأولى 1946 إلى 1948
كانت العلاقة قوية ومباشرة، فقد تحرك المتغيران في الاتجاه نفسه بحدة عالية. ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية مباشرة، تحركت أسعار النفط والنزاعات المسلحة في الاتجاه نفسه بحدة عالية، وسجلت الأسعار أعلى معدلات صعودها السنوي بزيادات متتالية بلغت 34.81% ثم 26.13% ثم 24.15% على التوالي، بالتزامن مع قفزات كبيرة في عدد النزاعات، خاصة في 1946 و1948 مثل حرب فلسطين عام 1948 وما صاحبها من توترات أمنية وجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط خاصةً بين مصر والكيان الإسرائيلي المحتل. وهنا يظهر ارتباط إيجابي مباشر حيث أدى تفكك النظام الدولي وإعادة رسم مناطق النفوذ إلى ارتفاع النزاعات، بالتوازي مع اضطرابات في الإمدادات النفطية وإعادة هيكلة أسواق الطاقة. لكنه ارتباط قصير الأجل، انتقلت فيه الصدمات الجيوسياسية بسرعة إلى الأسعار، ثم سرعان ما تراجعت في المرحلة التالية.
المرحلة الثانية 1949 إلى 1963
خلال هذه الفترة اختفى الارتباط تقريباً، فقد استمرت النزاعات في الارتفاع أو التذبذب دون أي استجابة تُذكر في أسعار النفط التي سجلت تغيراً صفرياً في 11 سنة من أصل 15 سنة، أي ما يقارب 73% من المرحلة، ومن ثمَ تراجع الارتباط سريعاً مع بداية المرحلة ودخلت الأسعار في حالة ثبات شبه كامل. مع بداية هذه المرحلة، دخلت الأسعار في حالة ثبات مطلق، ولم تسجل أي تغير بين عامي 1949 و1952، رغم أن معدلات النزاعات سجلت زيادات موجبة في معظم تلك السنوات، ووصلت إلى ذروات لافتة مثل 18.62% عام 1958 و10.20% عام 1959. وقد برز الغياب الكامل للاستجابة السعرية خلال أكثر من ثلثي الفترة، خلال أحداث عالمية كبرى بين 1950 و1953 مثل الحرب الكورية، حيث ظل التغير السعري عند مستوى 0%. وهذا الانفصال يمكن تفسيره بعدة عوامل؛ أولها جغرافي، حيث تركزت النزاعات الكبرى مثل الحرب الهندية الباكستانية ونزاعات جنوب شرق آسيا بعيداً عن مراكز الإنتاج الرئيسية في الشرق الأوسط كالسعودية وإيران، مما عزل الإمدادات عن المخاطر الجيوسياسية. أما العامل الثاني والأهم، فقد فسرته تقارير “إدارة معلومات الطاقة الأمريكية (EIA)”، التي أكدت أن أسعار النفط قبل سبعينيات القرن العشرين كانت تُحدد “إدارياً” من قبل كارتل شركات النفط الكبرى ضمن نظام الامتيازات، ولم تكن تعكس التقلبات الفورية في العرض والطلب أو المخاطر السياسية.
وعلى الرغم من ذلك، ظهرت بعض الاستثناءات المحدودة، ففي 1953 ارتفعت الأسعار بنسبة 9.73% مع زيادة طفيفة في النزاعات بلغت 3.06%. كذلك في 1957 ارتفعت الأسعار بنسبة 6.59% مع زيادة محدودة في النزاعات قدرها 2.13% أثر أزمة قناة السويس عام 1956. ومع ذلك ظلت علاقة إيجابية لكنها ضعيفة وعارضة، إذ عادت الأسعار سريعاً إلى الاستقرار في السنوات التالية.
المرحلة الثالثة 1964 إلى1971
انخفضت خلالها نسبة السنوات ذات التغير الصفري في الأسعار إلى أقل من 50%، وظهرت تحركات أكثر تكراراً، حيث سجلت الأسعار تغيرات موجبة في 5 سنوات من أصل 8 سنوات. وبدأت العلاقة مع النزاعات في الظهور بشكل أوضح ولم يعد اتجاه الأسعار ثابتاً، بل أصبح أكثر تأثراً بالتغيرات الاقتصادية والسياسية، وإن ظل الارتباط مع النزاعات غير منتظم. فقد تلى الانخفاض في 1964 بنسبة -1.68% ارتفاعات متتالية في 1966 و1967 و1969 و1970. وكان عام 1967 أحد أبرز الأمثلة عندما ارتفعت الأسعار بنسبة 3.34% بالتزامن مع “حرب الأيام الستة” بين كلاً من مصر وسوريا والأردن وبين الكيان المحتل الاسرائيلي والتي أثرت على طرق الإمداد النفطية بعد إغلاق قناة السويس، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل وإعادة توجيه التدفقات النفطية التي تأثرت بها بشكل أكبر دول أوروبية مثل إيطاليا وألمانيا بسبب اعتمادها عل نفط الشرق الأوسط. وهو ما يفسر التحرك السعري رغم محدودية التغير في عدد النزاعات.
لكن العلاقة لم تستمر، فقد ارتفعت الأسعار بين عامي 1969 و1970 بنسبة 8.94% و6.36% على التوالي، رغم استقرار أو انخفاض النزاعات بنسبة -1.32% عام 1970، ما يشير الى أن العوامل الاقتصادية بدأت تكتسب وزناً أكبر من العوامل الجيوسياسية، خاصةً مع تأسيس منظمة الدول المصدرة للبترول المعروفة بـ”منظمة الأوبك” .
ونخلص مما سبق إلى أن تأثير الحروب على أسعار النفط خلال الفترة 1946–1971 كان مُحصناً إدارياً ضد النزاعات؛ فاستقرار الأسعار لم يعكس استقرار سياسي عالمي، بل احتكاراً مؤسسياً كبح أثر الحروب ما لم تمس الممرات اللوجستية كحرب 1967. وقد تغير المشهد بعد تآكل هيمنة الشركات بحلول عام 1973، ليتحول النفط من سلعة معزولة عن الأحداث إلى سلاح سيادي، ما جعل الأسعار تصبح منذئذٍ مرآة فورية للصراعات.