6 معايير لقياس معدلات استخدام الهوية الرقمية عالمياً

لما كانت الهوية الرقمية أحد المؤشرات الرئيسة لقياس مدى تقدّم الدول في مسار التحول الرقمي وقدرتها على تقديم الخدمات العامة بصورة إلكترونية آمنة وفعّالة، فقد اعتمد البنك الدولي في عام 2024 ستة معايير رئيسة لقياس معدلات استخدام الهوية الرقمية عالميًا، هي: المعيار الاقتصادي، والنوع الاجتماعي، والمستوى التعليمي، والفئة العمرية، والحالة الوظيفية، والتوزيع الجغرافي بين الحضر والريف، يمكن الكشف من خلالها عن الفجوات الرقمية بين الفئات المختلفة، وتقييم مدى نجاح السياسات العامة في تحقيق الشمول الرقمي.
تكشف بيانات البنك الدولي عن وجود تفاوت كبير في استخدام الهوية الرقمية بين مناطق العالم المختلفة، وهو تفاوت يرتبط بدرجة كبيرة بمستويات التنمية الاقتصادية والقدرات المؤسسية للدول، فعند النظر إلى نسبة المستخدمين من الفئة العمرية (15 سنة فأكثر)، تتصدر منطقة غرب أوروبا بنسبة 84.6٪، تليها أمريكا الشمالية بنسبة 77.5٪، ثم شرق آسيا والمحيط الهادئ بنسبة 69.7٪، فالشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنسبة 62.9٪، ثم أمريكا اللاتينية بنسبة 56.7٪، وشرق أوروبا وآسيا الوسطى بنسبة 51.1٪، بينما تسجل أفريقيا جنوب الصحراء أدنى نسبة بلغت 25.5٪. وتبلغ الفجوة بين أعلى منطقة وأدناها نحو 59 نقطة مئوية، وهو ما يعكس تأثير عوامل متعددة، مثل مستوى البنية التحتية الرقمية، وكفاءة نظم التسجيل المدني، وقدرة المؤسسات الحكومية على تعميم خدمات الهوية الرقمية.
ولا تقتصر أهمية البيانات على المقارنة بين المناطق الجغرافية، بل تمتد إلى بيان الفروق داخل كل منطقة على حدة ففي الجانب الاقتصادي، تُظهر أفريقيا جنوب الصحراء أكبر فجوة بين الشرائح السكانية؛ إذ تبلغ نسبة استخدام الهوية الرقمية لدى أغنى 60٪ من السكان 35.4٪ مقابل 10.8٪ فقط لدى أفقر 40٪، أي بفارق 24.6 نقطة مئوية. ويعكس ذلك ارتباط الوصول إلى الهوية الرقمية بالمستوى الاقتصادي. وفي المقابل، تنخفض هذه الفجوة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى 4.7 نقطة فقط، بينما تسجل أمريكا الشمالية حالة مغايرة؛ إذ ترتفع نسبة الاستخدام لدى أفقر 40٪ (80.6٪) مقارنة بأغنى 60٪ (75.4٪)، وهو ما يشير إلى نجاح برامج الدعم والخدمات الحكومية في توسيع نطاق الاستفادة من الهوية الرقمية بين الفئات الأقل دخلاً.
أما من حيث النوع الاجتماعي، فتختلف الأوضاع بين المناطق بشكل واضح. ففي أفريقيا جنوب الصحراء تبلغ نسبة الاستخدام لدى الإناث 20.2٪ مقابل 32.4٪ لدى الذكور، بفارق 12.2 نقطة مئوية. كما تسجل أمريكا اللاتينية فجوة تبلغ 8.5 نقطة. وعلى النقيض من ذلك، تكاد الفجوة تختفي في غرب أوروبا، حيث تبلغ النسبة 84.6٪ للإناث و84.5٪ للذكور، وهو ما يعكس مستوى مرتفعاً من المساواة الرقمية.
وتظهر الفروق التعليمية كذلك بوضوح في معدلات استخدام الهوية الرقمية. فالأشخاص الذين لا يتجاوز تعليمهم المرحلة الابتدائية يسجلون معدلات منخفضة في معظم المناطق، حيث تبلغ النسبة في أفريقيا جنوب الصحراء 17.6٪ فقط. كما تصل الفجوة بين هذه الفئة والمتوسط العام إلى 25.5 نقطة في شرق آسيا والمحيط الهادئ، و25.8 نقطة في شرق أوروبا وآسيا الوسطى. ومع ذلك، تظل نسبة الاستخدام مرتفعة نسبياً في غرب أوروبا حتى بين ذوي التعليم المحدود، إذ تبلغ 75.5٪، مما يدل على نجاح السياسات العامة في تعميم الخدمات الرقمية على مختلف الفئات.
ومن الناحية العمرية، يتبين أن الشباب أكثر استخداماً للهوية الرقمية مقارنة بالفئات الأكبر سناً في معظم المناطق. ففي غرب أوروبا تصل نسبة الاستخدام بين الشباب (15–24 سنة) إلى 89.7٪، وهي أعلى نسبة مسجلة في جميع البيانات. أما في أمريكا الشمالية فتظهر معدلات متقاربة جداً بين الشباب والفئات الأكبر سناً (77.5٪ مقابل 77.6٪) بما يعكس وصول النظام إلى مرحلة انتشار واسعة بين جميع الأعمار.
كما تكشف البيانات عن ارتباط استخدام الهوية الرقمية بالمشاركة في سوق العمل في بعض المناطق. ففي شرق أوروبا وآسيا الوسطى تبلغ الفجوة بين العاملين وغير العاملين 17.2 نقطة مئوية، وفي أمريكا اللاتينية 16.7 نقطة، وهو ما يشير إلى ارتباط الهوية الرقمية بالوظائف الرسمية والخدمات المرتبطة بالعمل، أما في أمريكا الشمالية فتتراجع هذه الفجوة إلى 4.7 نقطة فقط، مما يدل على أن استخدام الهوية الرقمية أصبح جزءاً من الحياة اليومية بغض النظر عن الوضع الوظيفي.
وتشير النتائج بصورة عامة إلى أن الفجوات الداخلية تتراجع كلما ارتفع مستوى انتشار الهوية الرقمية، ففي المناطق الأكثر تقدماً، مثل غرب أوروبا وأمريكا الشمالية، تكون الفروق بين الجنسين أو بين سكان الحضر والريف أو بين الفئات الاقتصادية محدودة للغاية. أما في المناطق الأقل نمواً، فتظهر فجوات واسعة في معظم المؤشرات، وتُعد أفريقيا جنوب الصحراء المثال الأبرز على ذلك، حيث تسجل أعلى معدلات التفاوت الاقتصادي والتعليمي والنوعي والجغرافي، إذ تبلغ نسبة الاستخدام في المناطق الحضرية 46.9٪ مقابل 33.3٪ في المناطق الريفية.
وتحتل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا موقعاً متوسطاً من حيث الانتشار العام بنسبة 62.9٪، إلا أنها تتميز بفجوات داخلية محدودة نسبياً؛ فالفجوة الاقتصادية لا تتجاوز 4.7 نقطة، والفجوة بين الذكور والإناث 3 نقاط، بينما تبلغ الفجوة بين الحضر والريف 1.7 نقطة فقط. ويُفسَّر ذلك غالباً بانتشار برامج الهوية الوطنية الإلزامية التي تتبناها الحكومات في العديد من دول المنطقة، مما يؤدي إلى توزيع أكثر توازناً للخدمة بين مختلف الفئات.
ومع ذلك، ينبغي مراعاة بعض القيود المنهجية عند تفسير هذه النتائج، من أهمها وجود بعض البيانات غير المتوافرة في عدد من المؤشرات، بالإضافة إلى أن الأرقام تمثل متوسطات إقليمية قد تخفي فروقاً كبيرة بين الدول داخل المنطقة الواحدة.
تؤكد البيانات إذن أن الهوية الرقمية لم تعد مجرد أداة تقنية، بل أصبحت مؤشراً على مستوى الشمول والعدالة الاجتماعية داخل المجتمعات، فكلما اتسع نطاق استخدامها ليشمل الفئات الأقل دخلاً والنساء وسكان المناطق الريفية وذوي المستويات التعليمية المتدنية، زادت قدرتها على تعزيز الاندماج الاجتماعي وتقليل الفجوات الرقمية، ومن ثم فإن نجاح سياسات التحول الرقمي لا يُقاس فقط بارتفاع نسبة المستخدمين، بل أيضاً بمدى عدالة توزيع هذه الخدمات بين مختلف فئات المجتمع.