الميزان التجاري: 8 سنوات فائض مقابل 5 عجز بفائض اجمالي 221 مليار

تأرجح الميزان التجاري السعودي بين قطبين، وهما ذروة فائض عند +119.032 مليار دولار عام 2011، وقاع عجز عند -122.040 مليارًا عام 2015، أي مدى تأرجح إجمالي قدره 241.072 مليار دولار خلال أربع سنوات فقط. وعبر الفترة سجل الميزان ثماني سنوات فائض مقابل خمس سنوات عجز متتالية التوقيت تقريبًا (2015–2017 ثم 2019–2020)، لتكون المحصلة التراكمية +221.123 مليارًا بمتوسط سنوي +17.009 مليارًا – وهو متوسط هزيل قياسًا بحجم التدفقات (أقل من 3% من النشاط التجاري السنوي)، يكشف أن الاقتصاد يعمل عمليًا قرب نقطة التعادل التجاري وأن الفوائض الكبيرة ظرفية المنشأ.
لكل سنة عجز بصمتها الخاصة، عجز 2015 (-122.040) صنعه اقتران انهيار سعري خارجي بجمود استيرادي داخلي، وعجز 2016 (-73.958) عكس استمرار الأسعار المنخفضة مع بدء مفعول ضغط الواردات، وعجز 2017 (-8.263) كان شبه توازن يوثق نجاح التصحيح في إغلاق الفجوة تقريبًا رغم ضعف الصادرات، أما عجز 2019 (-83.231) فهو الأسوأ تركيبًا إذ اجتمع فيه هبوط الصادرات بمقدار 132.969 مليارًا مع ارتفاع الواردات بمقدار 28.142 مليارًا في آن واحد، وأخيرًا عجز 2020 (-55.915) حيث خفّضت الجائحة الطرفين معًا لكن الصادرات كانت أصلًا عند أرضيتها البنيوية.
يمكن البرهنة كمّيًا على تبعية الميزان للصادرات بتفكيك أكبر ثلاث حركات، بين 2014 و2015 تدهور الميزان بمقدار 146.859 مليارًا، ساهمت الصادرات فيه بهبوط قدره 148.837 مليارًا بينما تحسنت الواردات بمقدار 1.978 مليار فقط ، أي أن أكثر من 100% من الصدمة مصدره جانب التصدير، وبين 2018 و2019 تدهور الميزان 161.111 مليارًا وهو أكبر تدهور سنوي في السلسلة توزع بين هبوط صادرات بـ132.969 مليارًا وارتفاع واردات بـ28.142 مليارًا، وفي المقابل، بين 2021 و2022 تحسن الميزان 76.293 مليارًا فقط رغم قفزة صادرات بلغت 143.283 مليارًا، لأن الواردات التهمت 66.990 مليارًا منها – أي نحو 47% من مكسب التصدير. المعادلة واضحة، الصادرات تصنع اتجاه الميزان، والواردات تحدد كم يتبقى منه.
ومن المفارقات أن فائض 2022 (+110.329 مليارًا) جاء أدنى من فائض 2011 (+119.032 مليارًا) رغم أن صادرات 2022 تفوق صادرات 2011 بمقدار 80.728 مليار دولار. التفسير أن الواردات نمت بين الذروتين بمقدار 89.431 مليارًا، أي أن كل دولار صادرات إضافي بين القمتين قابله نحو 1.11 دولار واردات إضافية. بعبارة أخرى، ارتفع خط الأساس الاستيرادي بنحو 139 مليار دولار منذ 2010، فارتفعت معه عتبة الصادرات اللازمة لمجرد التعادل، وصار توليد الفائض نفسه يتطلب أسعار نفط أعلى من ذي قبل. هذه هي الكلفة الخفية للتوسع التنموي على معادلة الميزان.
تراوحت نسبة تغطية الصادرات للواردات بين قاع 67.2% عام 2015 وذروة 140.8% عام 2011، بمتوسط 105.4% للفترة كلها، وهبطت دون عتبة 100% في خمس سنوات. وتكمن قيمة هذا المؤشر في أنه يجمع طرفي المعادلة في رقم واحد قابل للمراقبة الشهرية، فكل نزول مطّرد دونه يعني أن الاقتصاد بدأ يموّل وارداته من الاحتياطيات أو الدين لا من متحصلاته الجارية، وقد أثبتت تجربتا 2015 و2019 أن التقاطه مبكرًا كان ممكنًا قبل تفاقم العجز.
حركة الميزان التجاري على مستوى القطاعات
يولّد قطاع الوقود ومنتجات التعدين 92.1% من إجمالي طاقة الفائض القطاعي الموجب والبالغ 2,853.342 من أصل 3,096.875 مليارًا، ويتقلب فائضه بتقلب أسعار الخام بين ذروة +329.973 مليارًا عام 2012 وقاع +114.449 عام 2020. أما المواد الكيميائية فتمثل 7.9% فقط من طاقة الفائض، لكنها الأسرع نموًا على الإطلاق بمعدل مركب 9.94% – الأعلى بين جميع مؤشرات الميزان في الجدول – وقد بلغ فائضها 30.674 مليارًا عام 2022 بما يعادل 27.8% من الفائض الكلي لتلك السنة رغم أن حصتها من الصادرات لم تتجاوز 10.7%. وهي معادلة كفاءة لافتة، لقطاع صغير الحصة عظيم الأثر في الميزان، ويُثبت أن دولارًا تصديريًا ذا قيمة مضافة عالية يزن في الميزان أكثر من دولار خام.
تنقسم قطاعات العجز الأربعة عشر انقسامًا شبه متناظر تبعًا لتوقيت بلوغ عجزها أقصاه، العائلة الأولى ضمت 7 قطاعات بلغ عجزها أوسع نقاطه في منتصف العقد ثم انكمش، وهي الآلات ومعدات النقل والمصنوعات ومعدات النقل ومنتجات السيارات ومعدات المكاتب والاتصالات ومعدات الاتصالات كلها عام 2015 والحديد والصلب في2012، وهي القطاعات المرتبطة بالإنفاق الرأسمالي الحكومي، وقد استجاب عجزها للتقشف استجابة واضحة، حيث انكمش عجز المصنوعات من -86.029 إلى -39.915 وعجز السيارات من -23.514 إلى -10.479 خلال ثلاث سنوات. والعائلة الثانية شملت 7 قطاعات بلغ عجزها أوسع نقاطه في ختام الفترة، وهي الأدوية والدوائر المتكاملة والغذاء والمنتجات الزراعية والملابس ومعالجة البيانات كلها في 2022، والمنسوجات في 2019، وهي المرتبطة بالسكان والاستهلاك والأمن والتحول الرقمي، ولم يعرف العجز انكماشًا يُذكر قط.
يُستخلص من ذلك أن العجز المرتبط بالإنفاق الرأسمالي عجزٌ دوري قابل للإدارة بأدوات الموازنة يتسع مع المشاريع وينكمش مع الترشيد، بينما العجز المرتبط بالديموغرافيا والأمن والتقنية عجزٌ بنيوي تصاعدي لا ينفع معه الترشيد – إذ لا يمكن ترشيد الغذاء والدواء – ولا علاج له إلا التوطين الإنتاجي أو التأمين الخارجي كالاستثمار الزراعي في الخارج. ومن ثم فإن أخطر بنود الجدول ليست أكبرها حجمًا مثل المصنوعات -782.881 بل أسرعها اتساعًا، الدوائر المتكاملة (11.83%) والأدوية (7.57%) والملابس (6.13%) والزراعية (4.67%) والغذاء (4.54%).
يرسم مؤشر التغطية خريطة دقيقة لمواقع القوة والهشاشة، إذ يغطي الوقود وارداته 25.4 مرة والكيميائيات 2.2 مرة، ثم ينحدر المنحنى انحدارًا حادًا إلى المصنوعات (44.2%) فالمنسوجات (23.5%) فمعدات النقل (18.8%) فالمنتجات الزراعية (17.6%) فالغذاء (17.2%) فالحديد والصلب (15.5%) فالآلات (12.7%)، قبل أن يهوي دون عتبة 10% في 8 قطاعات، الدوائر المتكاملة (9.4%) والأدوية (7.5%) ومنتجات السيارات (6.3%) ومعدات الاتصالات (6.2%) ومعدات المكاتب والاتصالات (5.6%) ومعالجة البيانات (3.4%) والملابس (3.1%). هذه الثمانية تحدد بدقة جبهة التوطين التي يجب أن تتقدم إليها الصناعة الوطنية خلال العقد المقبل، إذ إن كل نقطة تغطية إضافية فيها تُترجم مباشرة إلى تقليص عجز مضمون.