في الأمن الغذائي: رفع إنتاجية الحبوب 178.4% مع ثبات المساحة المزروعة

كفاءة الاستخدام تغلبت على حجم الموارد في النموذج الزراعي الصيني: 170% مقابل 3%
بعد سعي دؤوب وطويل المدى لتحويل القطاع الزراعي الي أداة من أدوات ممارسة الصراع مع اكبر أقطاب العالم، تمكنت الصين في النهاية من تأمين واحدة من أكثر النقاط أهمية وحساسية في إنجاز هذا التحول، وهي بناء قاعدة إنتاجية صلبة تدعم مفهوم الأمن الغذائي علي نطاق واسع طويل الأمد، وفي هذا السياق يتجسد الإنجاز الأكبر في ان الصين تمكنت من رفع انتاجيتها من الحبوب الرئيسية التي تمثل صلب فكرة الامن الغذائي في مستواه العام، وبلغت نسبة الزيادة 178.4% من دون زيادة تذكر في المساحة المخصصة لهذه المحاصيل، وبأرقام اخري ارتفعت الإنتاجية من 234.6 مليون طن إلى 653.2 مليون طن، بمعدل نمو سنوي مركب بلغ نحو 2.07% ، وارتفعت إنتاجية الهكتار من 2,402 كجم إلى 6,495 كجم، بزيادة بلغت 170.4%، ومعدل نمو مركب 2.01% سنويًا.
السؤال هنا: كيف استطاعت التجربة الصينية تحقيق هذه المعادلة في ظل محدودية التوسع في الرقعة الزراعية، وما العوامل التي جعلت هذا النموذج مثال واضح على أن تحسين الأمن الغذائي لا يرتبط بحجم الموارد الزراعية المتاحة فقط، وإنما بقدرة النظام الزراعي على رفع العائد من كل وحدة من هذه الموارد.
لقد انعكس التحول في كفاءة استخدام الأراضي الزراعية ا لصينية على مسار الإنتاج الكلي، فبعد مراحل من التوسع والتراجع، استقر إنتاج الحبوب في السنوات الأخيرة عند مستويات تفوق بكثير المستويات المسجلة في العقود الأولى. ففي المرحلة الأولى بين 1974 و1984، ارتفع إنتاج الحبوب بنسبة 56%، بينما ارتفعت الإنتاجية بنسبة أكبر بلغت 64.9%، بالرغم من انخفاض المساحة المزروعة 5.4%. وهذه الفترة دليل على أن النمو الزراعي الصيني بدأ يتحول من الاعتماد على إضافة الأراضي إلى تحقيق إنتاج أكبر من الموارد القائمة. واستمر هذا الاتجاه بصورة أوضح في المرحلة الثانية ما بين 1984 و2004، فعلى الرغم من تراجع المساحة بنسبة 13.8%، ارتفعت الإنتاجية 31%، وهو ما سمح للإنتاج بالارتفاع بنحو 12.9%. وبالتالي، فإن الانكماش في قاعدة الأرض لم يتحول إلى انخفاض مماثل في الإنتاج، لأن الزيادة في إنتاجية الهكتار عوضت النقص. أما المرحلة الثالثة ما بين 2004–2014 دخلت الصين مرحلة مختلفة اتسمت بارتفاع الإنتاج بنسبة 36% بالتزامن مع زيادة المساحة بنسبة 19.7%، والإنتاجية بنسبة 13.7%، أي أن التوسع في الإنتاج خلال هذه المرحلة استفاد من عاملين متزامنين وهما زيادة قاعدة الأرض وتحسين إنتاجية استخدامها. لكن المحور الأساسي للتحول حدث خلال آخر الفترة ما بين 2015–2024 حيث تراجع إجمالي المساحة بنسبة 2.8%، بينما ارتفعت الإنتاجية 8.5%، واستمر الإنتاج في الزيادة، وإن كان بوتيرة أبطأ بلغت 5.4%. وهذه المرحلة بالذات تكشف أن المحافظة على مستويات الإنتاج المرتفعة لم تعد مرتبطة باستمرار التوسع في المساحة، بل بزيادة ما تنتجه وحدة الأرض.

وتؤكد القمم والقيعان هذه النتيجة، فقد سجلت المساحة المزروعة أدنى مستوياتها عند نحو 77.2 مليون هكتار عام 2003، ثم بلغت ذروتها عند 103.5 مليون هكتار عام 2015، قبل أن تتراجع إلى 100.6 مليون هكتار في 2024. ومع ذلك، لم يتبع الإنتاج هذا المسار، إذ واصل الارتفاع بعد ذروة المساحة، من 619.5 مليون طن في 2015 إلى 653.2 مليون طن في 2024، في الوقت الذي ارتفعت فيه الإنتاجية من 5,986 إلى 6,495 كجم للهكتار. وهكذا، فإن مقارنة سنة الذروة في المساحة بنهاية الفترة قدمت دليلًا مباشرًا على انفصال نمو الإنتاج في المرحلة الأخيرة عن التوسع في الأراضي.

وبالنظر إلى الإجماليات يتضح أن إنتاج الحبوب المتراكم بلغ خلال السنوات الخمسين نحو 22.39 مليار طن، بمتوسط سنوي يقارب 439 مليون طن، في حين بلغ متوسط المساحة المزروعة نحو 92.6 مليون هكتار. وهو ما يؤكد أن ضخامة القاعدة الإنتاجية الصينية ينبع من قدرة النظام الزراعي على الحفاظ على إنتاج مرتفع عبر فترة طويلة دون زيادة مستمرة في الموارد الأرضية، فلو كان نمو الإنتاج قائمًا أساسًا على التوسع في الأرض، لكان من المتوقع أن تسير المساحة والإنتاج في اتجاه متقارب، إلا أن الفارق الكبير بين نمو الإنتاج البالغ 178.4%، ونمو المساحة البالغ 3% يجعل ارتفاع الإنتاجية العامل الأكثر وضوحًا في تفسير التحول.

ولم يتوقف أثر هذا التحول عند حدود إنتاج الحبوب، إذ تحسن مؤشر كفاية إمدادات الطاقة الغذائية من 116% في 2000–2002 إلى 142% في 2022–2024. أي بزيادة 26 نقطة مئوية تعادل نحو 22.4%، كما ارتفع المؤشر بصورة تدريجية عبر معظم الفترات، متجاوزًا 130% في 2013–2015، ثم 140 في 2021–2023 قبل أن يستقر عند 142%. ويشير ذلك إلى أن التحسن لم يكن مجرد زيادة عابرة في إنتاج الحبوب، بل ارتبط بتحسن قدرة النظام الغذائي على توفير الطاقة الغذائية بمستوى يتجاوز الاحتياجات الأساسية.

وعليه، فإن الصورة التي ترسمها بيانات الفاو هي انتقال تدريجي في مصدر النمو الزراعي الصيني من مرحلة كان فيها توسيع قاعدة الموارد جزءًا من عملية زيادة الإنتاج، إلى نموذج أصبح فيه رفع إنتاجية الأرض هو الآلية الأهم للحفاظ على نمو الإنتاج في ظل محدودية التوسع الأرضي.