60 ألف وظيفة فقدها اقتصاد الفضاء الأمريكي في 12 عاماً

تشير بيانات تقرير اقتصاد الفضاء الأمريكي إلى انكماش العنصر البشري في قطاع التوظيف بشكل متدرج ومتباين تخلله تعاف جزئي، إذ بدأت العمالة في الصناعات الخاصة عند 433 ألف وظيفة في عام 2012، وهي أعلى قيمة في فترة الرصد الممتدة من 2012 حتى 2023 ، ثم أخذت في تراجع شبه متصل حتى بلغت أدناها عام 2021 إذ بلغت وقتئذ 351 ألفًا، أي بانخفاض يقارب 19%، ولم يقطع هذا الانكماش المتتالي سوى ارتفاع طفيف عام 2019 بإضافة نحو 3 ألاف وظيفة فقط ليكون الإجمالي 390 ألف وظيفة، أعقبه أقصى انخفاض سنوي في عام 2020 بنحو 6.4%، ثم عادت العمالة إلى النمو المتواضع، فزادت 10 آلاف وظيفة عام 2022 و12 ألفًا وظيفة في عام 2023 لتبلغ إجمالي عدد الوظائف بنهايتها نحو 373 ألفًا، غير أن هذا التعافي لم يمحُ الانكماش الكبير، إذ يظل إجمالي عدد الوظائف في عام 2023 وهو عام نهاية فترة الرصد دون مستوى عدد الوظائف في عام 2012 بنحو 60 ألف وظيفة، أي أن معدل الانكماش بلغ 13.9% في 12 عام. كما هو موضح بالشكل التالي.

تركزت العمالة عام 2023 في ثلاثة قطاعات استوعبت نحو 70.8% من إجمالي التوظيف في الصناعات الخاصة البالغ 373 ألف وظيفة، القطاع الأول هو التصنيع بـ109 آلاف وظيفة بنسبة 29.2%، والثاني هو تجارة الجملة بـ85 ألفًا بنسبة 22.8%، ثم قطاع المعلومات بـ70 ألفًا بنسبة 18.8%. ويليها قطاعان يرفعان الحصة المجتمعة إلى نحو 95.7%، هما الخدمات المهنية والتجارية بـ52 ألفًا بنسبة 13.9%، والخدمات التعليمية والرعاية الصحية والمساعدة الاجتماعية بـ41 ألفًا بنسبة 11%، تكاد تتركز معظمها في الخدمات التعليمية. كما هو موضح بالشكل التالي.

ويكاد التصنيع الفضائي ينحصر في السلع المعمرة، التي تستوعب 108 آلاف وظيفة من أصل 109 آلاف، فلا يتبقى للسلع غير المعمرة إلا ألف وظيفة هبطت إليها من ألفين عام 2012، وداخل السلع المعمرة يتمركز النشاط في فرعين يستأثران بنحو 91.7% من وظائف التصنيع: أولهما معدات النقل الأخرى، وهو الفرع الذي تندرج فيه صناعة منتجات الطيران والفضاء، أي المركبات الفضائية وناقلات الإطلاق والأقمار الصناعية وقطع غيارها، وقد تراجعت عمالته من 68 ألفًا إلى 52 ألفًا بنحو 23.5%؛ وثانيهما منتجات الحاسوب والإلكترونيات، وقد نزلت عمالته من 55 ألفًا إلى 48 ألفًا بنحو 12.7% فقط، بعد تقلب محصور بين 48 و55 ألفًا طوال المدة، فكان أكثر فروع التصنيع استقرارًا.
وإذا انتقلنا من صورة عام 2023 الساكنة إلى حركة القطاعات على امتداد فترة الرصد، تبيّن أن الانكماش في عدد الوظائف في اقتصاد الفضاء الأمريكي لم يتوزع على القطاعات كافة، بل تحمّلها قطاع واحد في المقام الأول هو قطاع المعلومات، فقد بلغت عمالته 120 ألف وظيفة عام 2012، وارتفعت إلى ذروتها عند 125 ألفًا عام 2014، ثم أخذت في انخفاض متصل في كل سنة تالية دون استثناء واحد، حتى استقرت عند 70 ألفًا عام 2023، ومعنى ذلك تلاشي 50 ألف وظيفة، أي نحو 83.3% من صافي الاكماش الكلي البالغ 60 ألف وظيفة.
وينحصر هذا الهبوط في فرع واحد هو البث والاتصالات، الذي نزل من 117 ألف وظيفة إلى 67 ألفًا بنحو 42.7%، فاستوعب وحده أكبر قدر من فقدان الوظائف، وترتب على ذلك تراجع حصة القطاع من إجمالي التوظيف إلى 18.8% من 27.7%، وهبط من المرتبة الثانية بين القطاعات إلى المرتبة الثالثة عام 2020، ويعزو ضعف هذا الفرع إلى انحسار البث التلفزيوني الفضائي المباشر إلى المنازل، الذي يشهد تراجعًا في إيراداته وعدد مشتركيه منذ عام 2017.
أما قطاع التصنيع، هو ثاني أكبر القطاعات انكماشا حيث فقد نحو 27 ألف وظيفة، هابطًا من 136 ألفًا إلى 109 آلاف بنحو 19.9%، لكنه حافظ على موقعه في صدارة القطاعات المشغِّلة في كل سنة من سنوات الرصد، وكان مساره أكثر تقلبًا من مسار قطاع المعلومات؛ فقد ارتفع ارتفاعًا ملحوظًا عام 2019 إلى 123 ألفًا، ثم نزل إلى أدناه عند 104 آلاف عام 2022، قبل أن يستعيد خمسة آلاف وظيفة عام 2023، وفي المقابل كانت تجارة الجملة أثبت القطاعات الكبرى جميعًا، إذ لم تخرج عمالتها عن نطاق ضيق بين 84 و94 ألف وظيفة على مدى فترة الرصد، فاكتفت بخسارة 9 آلاف وظيفة بنحو 9.6%، وهي الخسارة التي أهّلتها مع ذلك للانتقال من المرتبة الثالثة إلى الثانية، لأن غيرها تراجع أسرع منها.
وفي الاتجاه المقابل، تكشف البيانات عن صعود قطاعين في مجال التوظيف، أولهما الخدمات التعليمية، التي ارتفعت عمالتها من 21 ألف وظيفة إلى 41 ألفًا، أي بنحو 95%، لتصبح حصتها 11% من الإجمالي بعد أن كانت 4.8%، وقد تحقق نصف هذه الزيادة تقريبًا في السنتين الأخيرتين وحدهما حيث قفزت من 28 ألفًا عام 2021 إلى 41 ألفًا عام 2023، وترجع هذه الزيادة الكبيرة إلى توسع البرامج الأكاديمية الفضائية. وثانيهما الخدمات المهنية والتجارية، التي هبطت إلى أدنى مستوى لها عند 39 ألف وظيفة عام 2020، ثم استعادت 13 ألف وظيفة في ثلاث سنوات لتبلغ 52 ألفًا عام 2023، متجاوزة مستوى 2012 البالغ 49 ألفًا، وإلى جانبهما تضاعفت عمالة تجارة التجزئة من 3 آلاف إلى 6 آلاف، وارتفع البناء من ألف إلى ألفين، وهي أرقام صغيرة لا تغيّر في الإجمالي كثيرًا، لكنها تدل على اتساع نطاق الأنشطة المرتبطة بالفضاء.
تجدر الإشارة إلى أن تراجع العمالة في اقتصاد الفضاء الأمريكي بين 2012 و2021 لا يعكس انكماشًا مماثلًا في النشاط الاقتصادي، وإنما يعكس بدرجة كبيرة تحولًا في تحول القطاع نحو أنشطة أعلى إنتاجية وأكثر اعتمادًا على التكنولوجيا، إلى جانب تراجع بعض الأنشطة التقليدية كثيفة العمالة، ولا سيما خدمات البث الفضائي، ومن ثم فإن نمو اقتصاد الفضاء لم يعد مرهونًا بزيادة عدد الوظائف بقدر ارتباطه بارتفاع القيمة المضافة والإنتاجية وكثافة التكنولوجيا في الوظائف القائمة.