الناتج الإجمالي الحقيقي: من 921.3 مليون دولار في 2012 إلى 1.060 مليار في 2023 بنسبة نمو 13.16%

خلال ما يربو قليلا على عقد من الزمان، وتحديدا 11 عاما ممتدة من العام 2012 إلى العام 2023، لم يحقق الناتج الإجمالي الحقيقي لاقتصاد الفضاء الأمريكي طفرة كبرى، أو تراجعا مؤثرا، بل حافظ علي نمو متواضع بطيء في عمومه، حيث بلغت قيمته 921.3 مليون دولار في العام 2012، وارتفعت الي مليار و60 مليون دولار في العام 2023، مسجلة بذلك نموا بين السنتين يقدر بنحو 139.6 مليون دولار يعادل نسبة مئوية قدرها 13.16%.
لم يتخذ هذا النمو وتيرة واحدة منتظمة خلال فترة الـ 11 عاما المذكورة، فقد أوضح التحليل الذي اجراه مركز جسور لبيانات هذه السنوات أن الناتج الإجمالي الحقيقي لاقتصاد الفضاء الأمريكي شهد فترات نمو متنوعة، بدأت بالنمو المضطرد، ثم حالة من التذبذب الطفيف الأقرب للاستقرار، ثم وضعية انكماش، ثم فترة حيوية وتعاف.
وقعت حالة النمو المضطرد بين عامي 2012–201 ، حيث ارتفع الناتج من 182,757 مليون دولار في 2012 إلى 205,707 مليون دولار في 2015، بمعدل نمو إجمالي قدره 12.55%. ، وكان هذا النمو مدفوعاً بالتوسع في خدمات التلفزيون الفضائي والتجارة بالجملة، أما حالة التذبذب الطفيف الأقرب للاستقرار–فكانت خلال الفترة من 2016إلى 2019 التي بلغ فيها الناتج الإجمالي ذروته القصوى خلال الفترة بأكملها، مسجلا 208,510 مليون دولار ، وبعدها حلت مرحلة الانكماش التي استمرت خلال 2020 ـــ 2021، وانخفض الناتج خلالها إلى 194,131 مليون أي تراجع بنسبة 6.9% في 2021 مقارنة بـ 2019، يعود ذلك أساساً إلى الانخفاض الحاد والسريع في خدمات البث التلفزيوني عبر الأقمار الصناعية نتيجة التحول نحو خدمات البث عبر الإنترنت، ثم انتهي المطاف بمرحلة التعافي والحيوية خلال الفترة من 2022 الى 2023، حيث عاد الناتج الإجمالي الي 203,295 مليون دولار في 2022 و2020,094 مليون دولار في 2023، بفضل النمو في تصنيع معدات النقل والدفاع الوطني.
وعند النظر إلي مستويات الناتج الإجمالي الفعلي للاقتصاد الفضائي في القطاعات والصناعات المختلفة داخل الاقتصاد الأمريكي، يمكن الخروج بالملاحظات التالية/
1ـــ تراجع الناتج الإجمالي الفعلي لخدمات البث والاتصالات المباشرة او ما يطلق عليه الفضاء التقليدي، مقابل صعود الناتج الإجمالي في صناعات الفضاء الجديدة، او ما يطلق عليه الفضاء المعدل، وبالأرقام تراجعت خدمات الفضاء التقليدي، المتمثلة في البث والاتصالات بنسبة 30.55% بين 2012 و2023 من 59.4 مليار دولار إلى 41.2 مليار دولار، فيما حقق الفضاء الجديد نمواً بنسبة 30.06%، ويعكس هذا التحول إعادة هيكلة عميقة للقطاع؛ من اقتصاد قائم على استهلاك المحتوى الفضائي إلى اقتصاد قائم على البنية التحتية والتصنيع والخدمات الدفاعية.
2 ــــ في صناعات او قطاع التصنيع والسلع المعمرة، كالحاسبات والالكترونيات ومعدات النقل كالصواريخ والمركبات الفضائية، ففي مجال الحاسبات والالكترونيات ارتفع الناتج من 20,693 مليون دولار 2012 إلى 34,993 مليون دولار 2023، بنمو قدره 69.10%.، وفي معدات النقل ارتفع الناتج من 20,539 مليون دولار 2012 إلى 23,534 مليون دولار 2023 بعد تسجيل ذروة بـ 22,466 مليون دولار في 2019، بنمو إجمالي قدره 14.58%.، وعند النظر الي هذه الأرقام مجتمعة، يلاحظ أن إجمالي ناتج التصنيع ارتفع من 44,500 مليون دولار إلى 61,224 مليون دولار بنسبة 37.58%، مما يوضح انتقال الثقل الاقتصادي نحو التصنيع الفضائي والتوريد التكنولوجي.
3 ــ يلاحظ من تحليل البيانات ان الإنفاق الحكومي خاصة الدفاعي لعب دورا محوريا في تحقيق معدل النمو العام للاقتصاد الفضائي، فالبيانات تقول إن قطاع الدفاع الوطني ضاعف قيمته المباشرة بنسبة 100.43% من 5.5 مليار دولار إلى 11.07 مليار دولار. يرجع هذا التضاعف إلى تأسيس قوة الفضاء الأمريكية في ديسمبر 2019، وزيادة الاعتماد على الأقمار الصناعية العسكرية للحروب السيبرانية والاستخبارات والاستطلاع.
4ــ سجل قطاع الخدمات المهنية والعلمية والتقنية نموا ملحوظا، حيث ارتفعت قيمة ناتجه الإجمالي الفعلي من 11,201 مليون دولار 2012 إلى 14,392 مليون دولار 2023، بنمو 28.49%.، فيما سجل قطاع نظم الحاسبات وتقنية المعلومات نموا بنسبة 80.65%، نتيجة ارتفاع قيمة الناتج الإجمالي الفعلي من 708 مليون دولار عام 2012 إلى 1,279 مليون دولار عام 2023، وحققت الذروة في 2022 بـ 1,427 مليون دولار، وهو ما يعكس الأهمية المتزايدة للبرمجيات وتحليل البيانات الفضائية الضخمة.
5ـــ شكل قطاع النقل والتخزين والخدمات اللوجستية العلامة الأبرز فيما يطلق عليه الأثر التمكيني لاقتصاد الفضاء، او تأثيره الإيجابي في القطاعات الأخرى، حيث بلغت قيمة الناتج الفضائي في النقل والتخزين 2023: 1,743 مليون دولار مباشرة، ولكن الأثر التمكيني كان أكبر بـ 100 ضعف، ومرجع ذلك أن شركات النقل البري كان انتاجها المتصل بالصناعات الفضائية يبغ نحو 789 مليون دولار، نظرا لاعتمادها الكامل على البنية التحتية للملاحة بالأقمار الصناعية في إدارة الأسطول وتتبع الشحنات، وتحسين مسارات القيادة، ما انعكس إيجابيا في تخفيض استهلاك الوقود وتكاليف التأخير التشغيلي في سلاسل الإمداد بنسب تتراوح بين 10% إلى 15%، مما يرفع هامش الربحية الكلي لقطاع اللوجستيات.
حدث الامر نفسه، ولكن بمستويات مختلفة، في قطاع الزراعة والغابات وصيد الأسماك الزراعة الدقيقة، فعلى الرغم من أن البيانات الخاصة بالناتج الإجمالي الفعلي المباشرة لاقتصاد الفضاء تكاد تكون صفر في قطاع الزراعة، إلا أن قطاع الزراعة بات مستهلكا خارجيا للخدمات في مشروعات الزراعة الدقيقة على وجه الخصوص، حيث تؤكد تقارير الاونكتاد علي أن استخدام البيانات الفضائية يزيد من إنتاجية المحاصيل في أمريكا الشمالية بمعدل 8% إلى 12% ويقلل من استهلاك الفلاحين للمبيدات والأسمدة، مما يُترجم إلى رفع الناتج المحلي الإجمالي الزراعي بصورة غير مباشرة.
6ــ قدم قطاع التشييد والبناء نموذجا مغايرا، ففي حين قفزت قيمة الناتج الإجمالي الفعلي المباشر من 383 مليون دولار 2012 إلى 1,077 مليون دولار 2023 بمعدل نمو 181.2%، لم يكن الأثر التمكيني على الحال نفسه القطاعين السابقين، بل كان متواضعا للغاية، ويرجع ذلك إلي أن الأرقام الخاصة بالناتج مرتبطة ارتباط مباشر ببناء المحطات الأرضية ومراكز مراقبة الأقمار الصناعية ومرافق الإطلاق، بينما يتمثل الأثر غير المباشر في استخدام المسح الجغرافي الفضائي لنقل خرائط التضاريس وإدارة الآلات الثقيلة في مواقع البناء الكبرى.
وفي ضوء الاتجاهات العامة الواردة في البيانات السابقة، يمكن القول ان الناتج الإجمالي الفعلي للاقتصاد الفضائي الأمريكي سيتركز خلال السنوات الخمس المقبلة في شبكات الاتصالات ذات المدار المنخفض مثل ستارلينك.، وسيعيد هذا النمو تشكيل بند البث والاتصالات ليعود للارتفاع عبر خدمات الإنترنت الفضائي ذات النطاق العريض، كما يتوقع أن يستمر بند الدفاع الوطني في تسجيل معدلات نمو سنوية مركب تتجاوز 8–10%، مع تحول الفضاء إلى ساحة استراتيجية للمراقبة والدفاع الصاروخي، كما يتوقع أن تشهد قطاعات تصميم أنظمة الحاسوب والخدمات المهنية والعلمية نمواً ملموساً لدعم تقنيات تمديد بعثات الأقمار الصناعية، إزالة الحطام الفضائي، والتصنيع في بيئة الجاذبية الميكروية.