(%40) من مستخدمي الانترنت على مستوى العالم سيتتبع سلوكهم “انترنت السلوكيات” IoB بحلول 2023

ماذا يعني انترنت السلوكيات (IoB) : قد يكون معظمنا قد سمع عن إنترنت الأشياء (IoT) مؤخراً، مع التوقعات الحماسية لنطاق الإمكانات التي سيوفرها جمع البيانات واستخدامها بواسطة أجهزة إنترنت الأشياء، من بينها الرؤية الحيوية التي ستوفرها فيما يتعلق باهتماماتنا وتفضيلاتنا وعاداتنا وممارساتنا المعتادة. ومن هنا يظهر إنترنت السلوكيات IoB ويٌكمِل إنترنت الأشياء ليكشف عن معلومات هامة حول سلوكياتنا.

فبينما يهتم IoT باتصال الأجهزة فيما بينها، يركز IoB على ربط الأشخاص وسلوكهم، وبالتالي فهو مهتم بشكل أساسي بكيفية الاستفادة المثلى من البيانات الناتجة عن هذا السلوك. ويُعتقد أن المفهوم نفسه نشأ في المدونات التي كتبها أستاذ علم النفس “جوت نيمان” عام 2012، عندما وصف طريقة “لتزويد الأفراد و/أو المجتمعات بوسائل جديدة تدل علي أنماط سلوك مختارة وذات مغزى، من خلال تخصيص عنوان IB (مشابه لإنترنت الأشياء) محدد لكل سلوك، علي أن يكون النمط الأفضل كما يراه الشخص أو المجتمع”. منذ ذلك الحين، تمت الإشارة إلى IoB باعتباره استهدافًا لأي سلوك مستمر أو مقصود أو متخيل أو مخطط على الأرض والتوجه الي شخص ما في الوقت المناسب بتقديم خدمات مناسبة طبقا لسلوكه حينها، دون الحاجة إلى معرفة ذلك الشخص على الإطلاق، كما شرح “نيمان”.

وقد لفت IoB اليه الأنظار في الآونة الأخيرة بفضل تصنيف شركة الأبحاث Gartner له ضمن أكبر اتجاهات التكنولوجيا الاستراتيجية في العالم لعام 2021، حيث قالت أن “إنترنت السلوكيات يلتقط “الغبار الرقمي” في حياة الناس من مجموعة متنوعة من المصادر، حيث يمكن استخدام معلومات من قبل كيانات عامة أو خاصة للتأثيرعلى السلوك”. وتوقعت “جارتنر” أن 40٪ من الأفراد على مستوى العالم (أكثر من ثلاثة مليارات شخص) سيتم تتبع سلوكهم من خلال IoB بحلول عام 2023، وبنهاية عام 2025، سيخضع أكثر من نصف سكان العالم لبرنامج IoB واحد على الأقل، سواء كان تجاريًا أو حكوميًا.

وسواء تعلق الأمر باستخدامنا لوسائل التواصل الاجتماعي أو بيانات تحديد الموقع الجغرافي عبر هواتفنا الذكية أو عمليات الشراء ببطاقات الائتمان أو حتى اختياراتنا لطعامنا المفضل، تتوفر البيانات من كم هائل من المصادر. وكلما تم استقاء المزيد من هذه البيانات من خلال أنشطتنا اليومية، سيلتقط IoB مزيدًا من المعلومات حول أنماطنا وخياراتنا السلوكية. وبالتالي، يتيح فهم هذه البيانات، فهمًا أكثر دقة لسلوك الأشخاص لم يكن متاحاً سابقاً، ويُمكِن الأطراف المعنية من استخدامه في مجموعة متنوعة من الحالات. كما توقعت “جارتنر” أنه “سيتم استخدام إنترنت السلوك (IoB) للربط رقميًا بين الشخص وتصرفاته. فمثلاً، يمكن الربط ما بين صورتك الشخصية عن طريق تقنية “التعرف على الوجوه” من خلال نشاط تقوم به مثل شراء تذكرة قطار بتعقب النشاط رقميًا.”

ونتائج هذا الإجراء عادة، تتيح معلومات أفضل لأصحاب المصلحة المعنيين وتسمح لهم باتخاذ قرارات أفضل. أما بالنسبة للشركات، فيعني تسويق منتجاتها بشكل أكثر فعالية لعملائها أو تحسين تجربة المستخدم للمنتج أو الخدمة بوجه عام. ومن المرجح أن يكون تطبيقه في العالم الحقيقي واسع الانتشار، حيث يشمل كل شيء في الحياة بدءاً من طريقة عملنا والتسوق وتناول الطعام إلى الأشخاص الذين نتفاعل معهم والوجهات التي نسافر إليها. أما من الناحية الفرضية، فيمكن جمع المعلومات المتعلقة بكل جانب من جوانب حياتنا تقريبًا، بهدف تحسين الكفاءة والجودة لمجموعة متنوعة من الغايات.

وقد يسمح للأطراف المهتمة بتحديد المجالات التي يمكن تحسينها في حياتنا كما اقترحت شركة البرامج BMC مؤخرًا: “قد ينبهك التطبيق الصحي على هاتفك الذكي الذي يتتبع نظامك الغذائي وأنماط نومك ومعدل ضربات القلب أو مستويات السكر في الدم، ويقترح تعديلات على سلوكك لتحقيق نتيجة أكثر إيجابية أو مرغوبة”.أو إذا كنت تشتري عادةً الوجبات السريعة بمعدل أعلى بكثير من المتوسط، يتم تتبع بياناتك، وقد ينبه التطبيق مقدمو الخدمات الصحية للتواصل معك للتأكد من أنك لا تعرض صحتك للخطر. وتثبت هذه المعلومات أهميتها للشركات من خلال تزويدها برؤية أكبر حول العملاء المستهدفين وكيفية توجيه جهودهم التسويقية اليهم. وقد أشارت “جارتنر” “إن شركات التأمين الصحي يمكنها استخدام نفس الأجهزة القابلة للارتداء التي تستخدم لتتبع الأنشطة البدنية لتقليل الأقساط الـتامينية، في مراقبة مشتريات البقالة وزيادة الأقساط نتيجة أصناف كثيرة غيرصحية يشتريها العميل.

ربما يكون الأمر الأكثر إثارة للجدل، إنه سيتم استخدام IoB لتشجيع أو تثبيط سلوك معين. حيث يوفر الامتثال للبروتوكولات الصحية مثالًا واحدًا مهمًا، لا سيما بالنظر إلى جائحة فيروس كورونا المستمر وعمليات الإغلاق التي استلزمت في كثير من الأحيان تغييرات شديدة في السلوك اليومي للأفراد. ففي مجال الصحة مثلاً، يمكن أن يساعد تطبيق Test and Trace، الذي يتم تحميله على الأجهزة الذكية، أنظمة الرعاية الصحية على مراقبة مواقع الأشخاص وأنشطتهم للتأكد من أنهم يقللون من فرصهم في الإصابة بالفيروس وكذلك الامتثال للقيود الاجتماعية التي تفرضها الحكومة. وفي مثل هذه الحالات، يمكن استخدام IoB بشكل فعال لتعزيز الرفاهية العامة الشاملة.

ولكن متى يصبح الاهتمام بالصالح العام والتضحية المتزامنة بالحرية الخاصة إشكالية؟ من الواضح أن هناك آثارًا أخلاقية واسعة وواضحة تنشأ من هذه التكنولوجيا. استهلاك كميات وفيرة من الكحول، على سبيل المثال، قد لا يمثل السلوك المثالي من منظور صحي أو حتى من وجهة نظر السلام والنظام في جميع أنحاء المجتمع، ولكنه قد يزيد من المنفعة الشخصية للفرد إلى أقصى حد. وماذا عن أولئك الذين يعانون من الإدمان غير المعالج؟ هل يمكن اكتشاف مثلاً سلوك مدمنة تسوق عبر الإنترنت بسهولة، وهل ستتلقى العلاج المناسب في الوقت المناسب؟ أم أن مشترياتها المتعددة ستؤدي فقط إلى تدهور حالتها حيث يواصل تجار التجزئة الذين يراقبون سلوكها من خلال IoB تقديم صفقات أكثر إغراءً لها من أي وقت مضى؟

كما أنه يسلط الضوء على قضايا مثل المراقبة العامة الواسعة النطاق، ومع مراقبة سلوك الأفراد باستمرار، ينشأ تساؤل عن مدى اختلاف IoB عن البرامج القائمة على المراقبة حالياً مثل نظام الائتمان الاجتماعي في الصين. من الواضح وجود اختلافات رئيسية بالتأكيد، بالنظر إلى أن أحدهما ترعاه الحكومة والآخر يتعلق بالقطاع الخاص. لكن فكرة “تشجيع السلوك الأفضل” و”تثبيط السلوك دون المستوى” لن تروق لأولئك الذين يقدرون حرياتهم المدنية. وأقرت “جارتنر” أنه: “في نهاية المطاف، يجب أن يقدم IoB منفعة متبادلة لكلا الطرفين أو المخاطرة برفض المستهلك. وسيعتمد الكثيرمن نطاقها وتطبيقها على قوانين الخصوصية المحلية التي قد تؤثر على كيفية استخدام البيانات”. وقد يكون جمع البيانات للتأثير على السلوك أداة قوية، لكن تقبلها من المجتمع قد يعتمد في النهاية على مدى “ثقل” المنظمات في محاولة تحقيق أهدافها.

على هذا النحو، يبدو أن التكنولوجيا التي لا تسعى إلى استخدام بيانات الأشخاص فقط بل التأثير على سلوكهم أيضاً، يجب أن تكون مصحوبة بشفافية لا تنتهك حقوق الخصوصية. لكن هذه الحقوق تختلف اختلافًا كبيرًا بين النظم القضائية في العالم، علاوة على أنه يجب أن يكون لها تأثير كبير على نطاق تطبيق IoB في جميع أنحاء العالم. وأخيراً، من الأهمية بمكان أن يكون أمان البيانات الشخصية في مقدمة اهتمامات الجهات التنظيمية حيث ستستمرهذه التكنولوجيا في التوسع، لضمان الحفاظ على الثقة بين الأفراد والشركات وأصحاب المصلحة الآخرين في جميع الأوقات..

ترجمة: نهال زكي.

المصدر:  انترناشيونال بانكر International Banker

الرابط: