58 دولة بين الاستقرار والكفاءة في مكافحة الوباء

عماد سالم

يتعلق هذا الجزء من التحليل بتوصيف ومعالجة أوضاع الالتزام المجتمعي، ومعدلات الإصابات والوفيات في 58 دولة من دول العالم، التي أمكن توصيفها علي أنها دول تشهد حالة من الاستقرار في إجراءات المكافحة، وشملت العدد الأكبر من الدول العربية المصابة، ومنها 8 دول عربية، وهي: لبنان، الأردن، العراق، مصر، قطر، الإمارات، السعودية، البحرين، كما يوجد فيها عدد من أهم النماذج المتميزة في مكافحة هذه الجائحة من دول العالم، من أهمها الدول الأربع التالية: سنغافورة، اليابان، السويد، كوريا الجنوبية.

كما يوجد بها أيضاً مجموعة الدول التالية: بوركينا فاسو، مقدونيا، كوستاريكا، سلوفاكيا، لاتفيا، أوروغواي، بلغاريا، كازاسخستان، ليتوانيا، الكاميرون، هنغاريا، نيوزيلاندا، البوسنة والهرسك، إستونيا، مولدوفا، كرواتيا، سلوفانيا، اليونان، الدومنيكان، الأرجنتين، فنلندا، المكسيك، كولومبيا، جنوب إفريقيا، إندونيسيا، تايلاند، بيرو، باكستان، بنما، لوكسمبورج، الفلبين، الهند، ماليزيا، رومانيا، إكوادور، التشيك، أيرلندا، بولندا، النرويج، تشيلي، أستراليا، إسرائيل، البرازيل، النمسا، البرتغال، كندا.

وتبين من دراسة علاقة الارتباط بين متوسط التباعد المجتمعي والمتوسط اليومي للإصابات والوفيات، أن اتباع هذه الدول للإجراءات يتناسق بشكل نوعي مع إجراءات الحد من التحرك المجتمعي، وكذلك مع مدى وعي والتزام المجتمعات بتلك الإجراءات.

وكشفت تقارير التنقل المجتمعي، عن اختلافات كبيرة باتجاهات حركة المجتمع من دولة إلى أخرى خلال فترة الرصد، ما يعكس الاختلافات في متى وكيف نفذت كل دولة عمليات الإغلاق أو بدأت في التوصية بالتباعد الاجتماعي. حيث يتبين أن معايير الالتزام بالتنقل المجتمعي تراوحت ما بين 16 من نصيب اليابان، إلى أقصى حد 80 كما في بيرو.

ويتمثل مدى التباعد المجتمعي المتسق مع حجم الإصابات والوفيات في أقل معدل يومي للإصابة في بوركينا فاسو ولبنان والأردن بمتوسط 13 إصابة جديدة يومياً، وأعلى معدل يومي للإصابة في كندا بمتوسط 323 إصابة جديدة يومياً.

وينعكس ذلك على أقل معدل يومي للوفيات بأقل من واحد صحيح في 18 دولة من الدول ال 58، منها 5 دول عربية: لبنان والأردن والبحرين وقطر والإمارات، وصولاً إلى أقصى حد بمعدل 11 وفاة يومياً في البرازيل، وهو رقم إلى حد ما معقول مقارنة بالدول ذات الإصابات والوفيات المرتفعة، خصوصاً مع ارتفاع عدد سكان بعض تلك الدول.

كما يلاحظ أن كلاً من اليابان والكاميرون وسنغافورة لم يتجاوز متوسط معايير التباعد المجتمعي العشرين، ومع ذلك حققت هذه الدول متوسط إصابات 74 و23 و26 على التوالي، ومتوسط وفيات 2 لليابان، وأقل من واحد صحيح للكاميرون وسنغافورة.

وفي المقابل فإن كلاً من بيرو وبنما اللتين حققتا أعلى متوسط للتباعد المجتمعي بنسبة 80 و79% على التوالي، حققتا متوسط إصابة 60 و67 إصابة على التوالي، في مقابل 3 و2 حالة وفاة على التوالي.

والسمة الموحدة في مجموعة تلك الدول، هو ارتفاع الضوابط الاحترازية للتنقل المجتمعي سواء بقرار دولة أو سلوك مجتمعي، مع الوضع الفعلي للإصابات والوفيات الجديدة، وهو ما يتضح من خلال الأعمدة البيانية، والتي تمثل مقارنة بين متوسط الالتزام المجتمعي بالتحرك من جهة، ونسبة كل دولة من إجمالي المتوسط اليومي للإصابات والوفيات من جهة أخرى، حيث يمثل العمود الأخضر متوسط التباعد المجتمعي، يقابله العمودين الأصفر والأحمر، والذان يعبران عن المتوسط اليومي للإصابات والوفيات على التوالي. ويتضح أن عمود الالتزام المجتمعي دائماً ما يكون مرتفعاً، وبينه وبين عمودي الإصابات والوفيات فرق كبير جداً، في حين أن كلاً من عمودي الإصابة والوفيات لا يكاد يظهر، أو يظهر بقيم أقل من نسبة الواحد الصحيح.

        ومن مظاهر التناسق في إجراءات التباعد المجتمعي، قرارات 6 دول عن عودة حركة الطيران بعد انقطاعها، حيث أعلنت اليوم وزارة السياحة والطيران في فيتنام، عن استئناف حركة الطيران الداخلي كمرحلة أولى، بدءاً من الخميس المقبل، وذلك بعد انتهاء فترة الإغلاق التي قررتها الحكومة لمدة 15 يومًا. وأعلنت شركتا “بامبو إيرويز” و”فيتجيت إير” الخاصتان أنهما ستعودان إلى تسيير الرحلات المحلية لكن بشكل تدريجي، وبذلك تكون فيتنام هي أحدث الدول التي قررت استئناف الطيران بعد الصين وكمبوديا والإمارات وروسيا ولبنان.

        كما بدأت السعودية في تسيير رحلات لعودة مواطنيها من دول العالم، بعدما كانت أغلقت حركة الطيران لفترة طويلة.

        ومن أهم الدول العربية التي قدمت أنموذج في إجراءات التباعد المجتمعي  كانت الأردن، حيث بلغ متوسط معايير التباعد المجتمعي 59، وذلك بمتوسط إصابات 13 حالة يومياً، ومتوسط عدد وفيات أقل من الواحد الصحيح، حيث قررت الأردن منذ اليوم الأول لظهور أول إصابة فرض حظر كامل طوال اليوم في جميع أنحاء الأردن، حتى أن الدولة في بداية الأمر كانت تقوم بتوصيل الاحتياجات الغذائية للمواطنين إلى منازلهم، ولما ظهرت صعوبة للتنفيذ، سمحت للمواطنين بالتجول خلال ساعات معينة للحصول على احتياجاتهم الغذائية في نطاق الحي السكني، مع حظر استخدام السيارات.

وظهر ذلك جلياً من خلال تفاصيل أرقام تقرير التنقل المجتمعي لجوجل، حيث حدث نقص حاد في التواجد المجتمعي، في المتاجر وأماكن الترفيه انخفض معدل التواجد المجتمعي بنسبة 69%، وفي الحدائق انخفض بنسبة 56%، ومحطات وسائل النقل انخفض بنسبة 88%، وهو ما يعكس انخفاض تواجد المجتمع في هذه الأماكن التي من المفترض أنها في الغالب ليست ذات حاجة أساسية، وفي أماكن العمل انخفض بنسبة 70%، مما يعكس التواجد في أماكن العمل ذات الحاجة خلال وقت الحظر على مستوى الدولة ككل، أما البقالة والصيدليات فانخفضت بنسبة أقل 44%، لأن كلاهما من ضروريات الحياة، ثم يأتي إنعكاس ذلك كله في زيادة التواجد في أماكن الإقامة السكنية بزيادة 27%.

وقد انعكس هذه الإجراءات ووعي المجتمع لوصول الأردن يوم 10 إبريل لعدد إصابات ووفيات مستجدة صفر، فيما أعلنت الدولة رفع الحظر الكلي عن البلاد، والبدء في تخفيف الإجراءات الاحترازية بعد نجاحها في احتواء جيد لهذه الأزمة ب 389 إجمالي إصابة.